مخاوف من أمراض جلدية تنقلها( الباله)

عين نيوز- خاص/

أسرار وخفايا خبأتها الثياب المترامية هنا وهناك، وأصوات الباعة التي تصدح بكل مكان فيه، وزبائن تتفحص الألبسة بأيديهم وعيونهم، والبعض منهم بعين واحدة بينما الأخرى تتفقد المكان خوفاً من شخص قد يتعرف عليهم، ومنهم من خصص لهم مكان عميق في تلك المحال يتفحصون به الملابس بعيداً عن أعين الزبائن الآخرين.

وفي المرحلة الانتقالية بين فصلي الصيف والشتاء تلجأ العديد من الأسر إلى كسوة أبنائها من سوق “البالة”.

وخلال هذه الأيام “التشرينية” تستعد العديد من الأسر والعائلات لزيارة أسواق البالة، وذلك في إطار استعداداتهم لدخول فصل الشتاء.

وتؤكد مصادر صحية عن المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الملابس وماتحمله من فيروسات من موطنها فهذه الملابس قد تكون ناقلة للفيروس المسبب لأمراض جلدية التي بدأت تغزو بعض المناطق منها الجرب الذي ينتقل بواسطة الفطريات خاصة أولئك الذين يدمنون شراءها نتيجه العوز بينما يؤكد بعض التجار على أن البضائع التي تصدر اليهم تصل مع بطاقات صحية تفيد أنها عقمت في مناشئها.

الدكتور خليل حمزة أحد الأطباء المتخصصين في الأمراض الجلدية والتناسلية يؤكدلـ “ الحدث”، أن بالأمكان أحتواء المخاوف التي تنجم عنها الملابس المستعملة من خلال تركها معرضة للشمس لمدة ثلاثة أيام قبل الأستعمال أذا كانت تحمل فيروساً معيناً اما الفطريات فيمكن الأكتفاء بكي الملابس فحرارة المكواة كفيلة في القضاء على الفطريات.

وقال نقيب أصحاب محلات الألبسة والأقمشة، صلاح حميدان في تصريح خاص لـ “ الحدث “ إن ظروف المواطنين الاقتصادية، وجّهتهم إلى البحث عن أقل الأسعار، سواء كانت الألبسة أو المواد الغذائية، أو أية سلع وخدمات أخرى.

ويشير حميدان، أن هنالك نوعين من المواطنين، يرتادون محلات الألبسة المستعملة “البالة”، النوع الأول يرتاده بحثا عن الألبسة ذات الماركات العالمية والأسعار المناسبة، أما النوع الثاني فهم الباحثون عن الأسعار التي تقل عن مستويات أسعار السوق.

ويضيف حميدان أن ذوي الدخل المحدود يقبلون على شراء الألبسة المستعملة؛ لتردي أوضاعهم الاقتصادية، إذ تباع الـ 3 قطع من تلك الألبسة بحوالي 12 دينارا، مقارنة بسعر القطعة الواحدة في المحلات الأخرى والذي يتجاوز الـ 12 دينارا.

ويقول حميدان إنه رغم ارتفاع أسعار هذا النوع من الألبسة في بلد المنشأ، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية التي انعكست على مصاريف شحن البضائع، لاسيما أنها تستورد على شكل “ربطات” إلا أن أسعارها ما تزال ضمن الحدود المعقولة.

ويضيف حميدان، أن الطلب على محلات “البالة”، شهد تراجعا عن مستوياته مقارنة بالأعوام السابقة، نتيجة تراجع القوة الشرائية للمواطنين، وتدني مستويات الدخل.

وقد شهدت مستوردات المملكة من الالبسة المستعملة خلال الشهور التسعة الاولى من العام الحالي إرتفاعا أذ وصلت قيمتها الإجمالية أكثر من 6 ملايين دينار اردني ، بوزن يصل حوالي 4 مليون و57 ألف كغم ، وتم إعادة تصدير منها مايقارب 382 ألف كغم ، بحسب بيانات دائرة الاحصاءات العامة التي حصلت الحدث على نسخة منها .

وأضافت الإحصائيات أن البضاعة المستعملة تستورد من عدة دول مثل كندا ، وألمانيا ،وبلجيكا، وأميركا ، وهي من أكثر الدول التي تستورد الأردن منها الألبسة المستعملة بكميات كبيرة .

وفي العام 2009 وصلت كمية الالبسة المستعملة من الدول السالفة الذكر أكثر من 6 ملايين و776 ألف دينار ، تم إعادة تصدير منها حوالي 547 ألف كغم .

المعلمة رانيا التي تقيم في السلط ، تواظب على زيارة هذه المحلات التي تعتبر جزءا من اقتصاد الظل الذي ينمو بسرعة في المملكة جراء الارتفاع المطرد في الأسعار.

ويبلغ عدد محلات الألبسة المستعملة في عمان، حوالي ألفي محل، موزعة على مناطق مختلفة في العاصمة ذات مناشئ مختلفة بحسب الاحصائيات .

ما هو مصدر البضاعة ومن هم زبائنها وهل تعقم قبل البيع وكيف وهل هي أجنبية كما يقولوا؟. كثيرة الأسئلة التي اعتبرها أصحاب هذه المهنة أسرارا لا يمكن إفشاءها لأحد .

“يوجد فرق بين بضاعة محال البالة وبضاعة البسطات” بهذه الجملة ابتدأ الملقب “بأبو عبود“ حديثه عن ألبسة البالة وهو الذي عمل في سوقها، وأضاف: “تقسم ملابس البالة إلى درجات أولى وثانية وثالثة، وبسبب اختلاف السعر بينها لا يمكن لصاحب بسطة الملابس المتجول أن يبيع ملابس الدرجة الأولى فهي مرتفعة مقارنة بغيرها، لذلك تباع تلك البضاعة في محال سوق البالة” .

أبو عبود الذي يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من 10 سنوات يقول: أن المناشئ التي تأتي منها البضاعة متعددة ويعتقد أبو أحمد أن هذه الملابس المستخدمة تتميز عن الجديدة بقوتها ومتانتها ونوعيتها ومقاومتها لشتى الظروف الى جانب أسعارها المناسبة .

ولم يذهب علي الحوراني بعيدا عن ما ذهب اليه أبو أحمد قائلا ساعدت هذه الملابس المستعملة على أستقرار السوق فهناك الملابس الجيدة تباع بسعر زهيد وأذا ما قورنت هذه الملابس بالجديدة لوجدت النوعية نفسها وتبقى المسألة متوقفة على الرغبة وذوق الزبون. إن سوق البالة بشكله الحالي لا يشكل تهديدا أو خيارا بديلا عن سوق الملابس الجاهزة, بالنسبة للطبقة المتوسطة أو العليا.‏

ويعقب على لجوء الناس إلى أسواق البالة لرغبتها الشديدة باقتناء الأنيق و الرخيص بنفس الوقت وهو ما يستحيل مع أسعار الماركات الموجودة في السوق، ما يجعل سوق البالة خيارا مشروعاً.‏

أما عدم التصريح عن مصدر هذه الثياب فيرجع إلى الخوف من خسارة “البرستيج”،بالإضافة إلى ثقافة العيب السائدة التي تربط الوضع الاجتماعي بالمستوى المادي وثقافة المظهر التي تأخذ بالمظاهر مهما كانت كاذبة و زائفة.

ولا تقتصر زيارة تلك الأسواق على العائلات من ذوي الدخول المحدودة أو المتدنية، بل ان الكثير من روادها هم من الطبقة ذات الدخول العالية، وفق الحوراني .

وما يغري هؤلاء لاقتحام سوق يفترض بها انها تقتصر على الفقراء هو جودة البضائع التي تعرضها، وخاماتها الأصلية، وماركاتها العالمية، بحسب الحوراني . ولا يغفل ذوو الدخل المتوسط والمتدني ميزات تلك البضائع، لكن يطغى على اعتبارات الكثير منهم مستوى الأسعار، والقدرة الشرائية المتآكلة للعديد منهم في كل عام.

يقول المواطن علي السلطان انه يتجه الى محلات البالة والألبسة المستعملة، ليس لأنها اقل سعرا من غيرها من الألبسة الأخرى فقط، ولكن بسبب جودتها وخامتها الأصلية، لاسيما وان معظمها من ماركات أصلية، وليست تقليدية، ما يمكنها ان تحافظ على بهائها وجودتها لعدة سنوات.

ويضيف السلطان ، الأب لثلاثة أطفال أن أسعار الألبسة الموجودة في “البالة” تتراوح ما بين 3 و 10 دنانير للقطعة الواحدة بحسب الماركة.

ويقول محمد سالم، الأب لطفلين، انه يذهب باستمرار الى محلات ألبسة “البالة” بحثا عن الألبسة ذات الجودة العالية، والأسعار التي تناسب أوضاعه الاقتصادية المتردية، لافتا إلى ارتفاع أسعار بعض الألبسة خلال الفترة الحالية ويشير سالم، الموظف في القطاع الخاص، إلى أنه كان يشتري ثلاث او أربع قطع من ألبسة “البالة” بـ 10 دنانير، أما في الوقت الحالي فيبلغ سعر تلك القطع نحو 20 دينارا.

وقال تاجر الألبسة المستعملة، خالد العجوري، ان أسعار الألبسة المستعملة ارتفعت بنسبة 50 % خلال الفترة الحالية، نتيجة ارتفاعها من بلد المنشأ، التي ترتبط بعملة اليورو، إضافة الى ارتفاع أسعار الشحن.

ويقول العجوري إن مرتادي محلات البالة لا يقتصرون على طبقة دون أخرى، حيث هنالك من يبحث عن الماركات العالمية من المواطنين ذوي الدخل المرتفع، فيما هنالك من يبحث عن الأسعار التي تتناسب وأوضاعه المادية.

لكل بالة سعرها حسب الحجم والوزن والنوعية فهناك البالة تزن 45 كيلوغراماً وأخرى تزن 90 كيلوغراماً وتتفاوت الأسعار حسب الدرجات يقول تامر عزيز 35 سنة رغم جودة المناشئ التي يتحدث عنها الجميع ألا أن الميل الى الربح السريع دفع بعض التجار الى أستيراد هذه البالات من مناشئ رديئة لا تختلف عن رداءة البضاعة الجديدة التي أغنت الأسواق.

وقد يلعب الهاجس النفسي دوراً كبيراً الذي يمتد في نفوس الأطفال على الأخص فعند بدء العام الدراسي مثلاً تهرع أغلب العوائل الفقيرة من ذوي الدخل المحدود الى سوق البالات ليقتنوا لأطفالهم مايحتاجونه من ملابس بينما يرى الطفل زملاءه في المدرسة وهم يظهرون بملابس جديدة ومن مناشئ عالمية معروفة فينعكس ذلك على نفسيته ويبدأ بلوم ذويه مطالباً أياهم أسوة بزملائه .

وعلى العكس من ذلك كله ترى المترفين الأغنياء يرتادون محال البالة بحثاً عن الملابس النادرة يقول أبو سمير المصري أعمل في هذه التجارة منذ عقدين ونرى الكثير ممن يجوبون أمكنة البالات فهناك كما هو واضح على مظهرهم لا يبدون فقراء ومع ذلك يستغنون عن المحال الضخمة ذات الأسعار الخيالية و يجيئون ألينا لأقتناء الملابس المستعملة ويعللون ذلك لبحثهم عن أشياء أكثر متانة وأن كانت مستعملة أو أشياء نادرة على حد تعبيره.

ويضيف أن البعض من الزبائن يفضل الملابس المستعملة عن الجديدة ذلك لأنهم يرون أن الملابس الجديدة بعد أرتدائها فبمجرد أن تغسل مرتين تستهلك بينما ملابس البالة تبقى محافظة على جودتها وأن تقادمت .

سوق البالة في وسط البلد محط أنظار عدد متزايد من المواطنين ذوي الدخل المحدود و المرتفع على حد سواء وبخاصة مع توفر البضائع في هذا السوق المزدحم و(البالة) أو الملابس الأوروبية .

“ الملابس الأوروبية “ هو اسم لمسمى واحد بات اليوم منتشرًا و نشطا ولا سيما في مواسم الأعياد, ومواسم الانتقال بين الفصول, إذ توفر هذه الأسواق الملابس و الأحذية و حتى الألعاب بنوعية جيدة وأسعار ارخص بكثير من السوق العادي و البضائع الوطنية و يتنوع زبائن أسواق البالة في ما بين الموظفين محدودي الدخل أو المعدومين من الفقراء الذين يحلمون بملابس تسترهم بمبالغ قليلة, و بعض الميسورين الذين يترددون على مثل هذه الأسواق بحثا عن ماركة عالمية ورغبة في توفير الفارق الكبير في السعر.‏

وللملابس المستعملة سوق معروفة بالإضافة إلى بعض المحلات المتفرقة المنتشرة في في بعض الأحياء ومع البالة تباع بعض الملابس الجديدة والتي غالبا ما تكون (ستوكات) بعض المصانع أو تصفيات المصانع الكبيرة أو المحلات التي تعاني من الكساد أو يتراكم المخزون من إنتاجها، وتباع جميعها جنبا إلى جنب مع الملابس المستعملة ولكنها بالطبع تباع بأسعار مختلفة.

ويلعب الحظ دورا كبيرا في تجارة “البالة” لأن البائع يشتري البضاعة دون أن يراها فهو يشتريها بالوزن بعد تقسيمها إلى بالة بنطلونات جينز أو بالة جلود وبالة قمصان وهكذا, ثم يفرزها لإبعاد التالف منها وتنظيف غير التالف‏

محمد صالح احد أصحاب محلات البالة تحدث عن طريقة وصول هذه البضائع فقال :هناك تجار كبارً متخصصون في توزيع الملابس المستعملة وبيعها لأصحاب المحلات هذه الملابس تصل في رزم مربوطة ومغلفة من مصادرها وهي على أنواع إما أن تكون رزمًا متخصصة أي يكون هناك رزمًا خاصة بالملابس الجلدية أو رزم خاصة بالكنزات أو الأحذية أو الملابس الداخلية …الخ أو تكون رزمًا مختلطة تضم مجموعة متنوعة من الملابس المستعملة أو ذات الطرز القديمة، ويقوم أصحاب المحال التجارية بفتح هذه الرزم التي تعرف باسم «البالات» وكَيِّها.‏

ويؤكد محمد الذي يعمل في سوق البالة منذ عشرة أعوام أن زبائنه يمثلون كافة طبقات المجتمع، منهم الموظفون و الأطباء و التجار و العمال،وقال: إنه عند وصول بضائع جيدة ونظيفة يتصل بزبائنه الخاصين ليكونوا أول من يختار.

وتختلف نوعيات الثياب التي يفرزها الباعة لكل فئة من الزبائن بحسب مستوى دخلها. ويروي حسين (31 عاما) بائع في محل بالة بأنه عند وصول أكياس البالات يخبرون زبائنهم الخاصين ليكونوا متواجدين وقت فتحها وفرزها، ما يتيح لهم اختيار ما سمّاه (اللقطة) قبل الزبائن الآخرين.‏

ويفرق حسين بين الهدف الذي يسعى إليه كل من الفقير أو الغني لدى شرائه القطعة، ففي الوقت الذي يبحث فيه الفقراء على القطعة العملية التي تحتمل كثرة الغسيل والكي، يبحث الغني عن القطعة الجديدة والماركات العالمية.‏

تاجر السيارات نايف الدرادكة (51 عاما) يبرر لجوءه للشراء من هذا السوق إلى عدة أسباب أهمها: النوعية الجيدة للملابس الأجنبية عن تلك الوطنية و الصينية والتركية المتواجدة في السوق المحلي. منوها بأن الملابس الأجنبية «تبقى محتفظة بحالها، بينما تهترئ الملابس الجاهزة الموجودة في السوق بعد غسلة واحدة أو غسلتين.

تعليقات