توفيق النمري.. سفير الأغنية الأردنية

توفيق النمري.. سفير الأغنية الأردنية


صورة
هزاع البراري - قامة فنية عالية ورائد رواد الأغنية الأردنية هو الفنان توفيق النمري، الذي يعد سنديانة فنية عميقة الجذور وأفرع باسقة تحلق رغم الغياب في فضاء الإبداع الأردني والعربي، وهو الذي شكلت مراحل حياته سجلاً مدهشاً ومليئاً بالإنجاز والتفرد، تلك الحياة التي واكبها التعب والصبر، فقد تحدى المستحيل بأصالة الموهبة وإيمان عميق بأهمية الفن ونبل رسالته، حيث برز كلحن إنساني المضمون، وصوت شجي كينابيع مياه الأردن الممتزجة بتغريد العصافير وهديل الحمام، فهو حالة فريدة ولافتة، ظهرت في الزمن الصعب، حيث كابد خلال مسيرته المتوجة بالنجاح، مصاعب وعقبات لم تزده إلا إبداعاً وتميزاً، والتصاقاً بالأرض والإنسان الأردني البسيط، فغني للناس والمكان والوطن والقيادة، وناضل بلحنه وصوته، فكان في مرحلة من المراحل صوتاً وطنياً مدافعاً وشاحذاً للهمم، فغنى لنشامى الجيش العربي الأردني، وللرشاش والمدفعية والمدرعات وفرسان الجو، فشكل مع عدد من الفنانين خط دفاع وتعبئة ومواجهة صلب.

توفيق النمري ابن مدينة الحصن، والتي كانت منذ أواخر العهد العثماني بلدة ناشطة ومزدهرة، وكانت ولادته فيها عام 1918، أي قبيل تأسيس الدولة الأردنية عام 1921، وقد واجهته الحياة بقسوتها منذ أيامه الأولى، حيث فقد والده وهو وليد صغير، فكفله بالتربية جده الشيخ رزق الله المناع النمري – كما يذكر ذلك نبيل النمري – وكان لجده صلات عميقة مع عدد من شيوخ ووجهاء المنطقة، فعندما زاره الشيخ فدعوس، ولفت انتباهه الطفل فعلم أنه حفيد الشيخ رزق الله قرر منحه اسمه، وبذلك أصبح اسم الطفل فدعوس النمري، وهو الاسم الأصلي لتوفيق النمري، حيث نشأ في بيت جده الذي أثر فيه كثيراً، فقد كان الشيخ رزق الله عازف ربابة ماهر، كما كان محباً للشعر وحافظاً له، وقد ساعد ذلك الطفل فدعوس - توفيق – منذ تفتح وعيه على سماع لحن الربابة والإيقاعات الشعرية، وكان سريع الحفظ، يردد الألحان والأشعار ويغنيها بفطرته، وعندما التحق بالمدرسة، بدأ يغني الأناشيد ويشارك في الحفلات المدرسية، وأخذت موهبته بالظهور بشكل لافت للمحيطين به في المدرسة وأهل الحصن.
وقد لاحظ مدير المدرسة أن اسم « فدعوس « لا ينسجم مع شخصية هذا الطفل المبدع، فاقترح عليه أن يغير اسمه، فاختار الطفل اسم توفيق فصبح اسمه الرسمي « توفيق النمري « منذ ذلك التاريخ، وكان في المرحلة الابتدائية يردد أغنية « يا جارة الوادي «، وكان قد درس أيضاً في مدرسة الكاثوليك، وأصبح يشرف على جوقة الكنيسة، فيشارك في التراتيل بصوته العذب، وقد تعلم اللغة اليونانية لأن معظم التراتيل باللغة اليونانية، وقد وفر له ذلك خبرة فنية جيدة ومبكرة، كما كان يذهب إلى الجيران الذين يمتلكون مذياعاً ليستمع لأغاني محمد عبد الوهاب الذي تأثر فيه وحفظ أغانيه، وكان يرددها في كل مكان، كما حفظ منولوجات ساخرة ناقدة لعدد من فناني هذا اللون، وقد اهتم بدراسة الشعر والأدب العربي بشكل خاص، لغناه بالموسيقى والإيقاعات، وفي مجال الموسيقى فقد درس وتدرب تحت إشراف الفنان السوري محمد فؤاد محفوظ، وبذلك تمكن من أساسيات الموسيقى والمقامات بشكل لافت.
واجه الفنان توفيق النمري الحياة العملية بما تحمل من صعوبات ومتاعب بعمر مبكر، فبعد المدرسة عمل مع الجيش البريطاني الذي كان يعمل إنشاء طريق حيفا – بغداد وذلك خلال الحرب العالمية الثانية، حيث عمل كاتباً واستمر بعمله هذا مدة سبع سنوات، وصل خلالها إلى منصب رئيس الكتّاب، وخلال هذه الفترة لم ينقطع عن الموسيقى والغناء، فرافقه العود أينما حل، كما كان مهتماً بجمع وتدوين الأغاني التراثي والفلكلور الشعبي، ودرس ألحانه وتركيبه وإيقاعاته وكلماته، وقد تشرب هذا التراث الكبير والغني، وأتخذه قاعدة متينة أنطلق منها إلى فضاء الأغنية الأردنية والعربية، فقد كان صاحب بصمة خاصة، وإبداع مميز لا يشبه أحداً، وبعد انتهاء عمله وجلاء الجيش البريطاني، حمل عوده وذهب إلى مدينة رام الله عام 1949، لبدأ مشواره الفني في مدينة لا يعرف فيها أحداً، وهناك التقي مساعد مدير الإذاعة راجي صهيون، الذي طلب منه إعداد أغنية خاصة بشهر رمضان، والتي أنجزها بسرعة مذهلة، وقدمها بصوته كفنان أردني لأول مرة عبر أثير الإذاعة، ليدشن بذلك مشواره الفني الطويل والغني.
عندما قام المغفور له الملك عبد الله الأول بزيارة إلى رام الله، طلب منه مدير الإذاعة إعداد أغنية خاصة لاستقبال جلالة الملك المؤسس، فقدم أغنية « أبو طلال تاجك غالي علينا « وقد حققت هذه الأغنية نجاحاً في تلك الفترة، وأعجبت جلالة الملك المؤسس وأوصى بتوفيق خيراً، وبعد عقد من الزمن انتقل للعمل في الإذاعة الأردنية في عمان، وقد شهدت الأغنية الأردنية تطوراً وازدهاراً كبيرين، ودخلت عصرها الذهبي، وقد نتج ذلك عن الظروف السياسية والعسكرية التي واجهها الأردن خلال تلك الفترة وما تلاها، ولما أولاه دولة هزاع المجالي، ودولة وصفي التل مدير الإذاعة الأردنية حينها من عناية ومتابعة حثيثة لنشأة وتسجيل كل لحن وكل أغنية، فكان يشجع الشعراء ويتناقش معهم، ويحضر تسجيل الأغاني بنفسه، فقطعت الأغنية الأردنية خطوات واسعة بفضل توفيق النمري، وعبده موسى، وجميل العاص وسلوى العاص، وسميرة توفيق وغيرهم من الفنانين والفنانات.
 برزت اغانية الوطنية والمكانية، وعني بالتراث والفلكلور، وأعاد إحياء ألحاناً وأغاني شعبية وتراثية، من خلال تطوير لحنها واغناء كلماتها، فقدم عشرات الأغاني والألحان، كما كان في بعض الأحيان يكتب كلمات أغانيه بنفسه، ويلحن كلمات لشعراء وكتاب آخرين، وقد لاقت أغاني توفيق النمري انتشاراً واسعاً ورددها الناس على اختلاف فئاتهم ومستوياتهم، وقد صدح بألحانه مطربون عرب وأردنيون كباراً، منهم الفنان وديع الصافي والفنانة هدى سلطان، وكذلك سعاد هاشم، ونصري شمس الدين، ونجاح سلام وفؤاد حجازي، وكروان دمشق، بالإضافة إلى عمر العبداللات وعدد من المطربين الشباب.
قدم الفنان النمري مئات الأغاني الناجحة التي زادت عن ( 750 ) أغنية ولحناً، وهي أعمال خالدة تردد صداها داخل وخارج الوطن، منذ خمسينيات القرن الماضي حتى يومنا الحاضر، وستبقى كنزاً غنياً للمستقبل والأجيال القادمة، وكان توفيق النمري حاضراً في المناسبات الوطنية والقومية، وكان عضواً في جمعية المؤلفين والملحنين العالمية، وعضو المجمع العربي للموسيقى في بغداد، وقد لقب في سنواته الأخير بشيخ الفنانين الأردنيين، وخلال حياته الفنية الطويلة شارك توفيق النمري في عدد من المؤتمرات والندوات، وقدم خلالها أوراقاً عن الغناء الشعبي والتراثي، كما كتب مقالات ودراسات في الموسيقى والغناء في عدد من الصحف والمجلات المحلية والعربية.
حظي بمكانة فنية كبيرة، وكان متواضعاً وقريباً من الناس، وقد كرم على أعلى المستويات، حيث نال خلال حياته عدداً من الأوسمة والميداليات والشهادات التقديرية، فقد نال وسام الكوكب الأردني من الدرجة الثالثة، والميدالية الذهبية للتفوق، ووسام الحسين للعطاء المتميز من الدرجة الأولى، ووسام الاستقلال من الدرجة الثانية، كما نال جائزة الدولة التقديرية في حقل الفنون في مجال الغناء عام 2007، ونال أيضاً درع البتراء الفضي وهو هدية ملكية نالها في عيد ميلاده التسعين، وحاز على شهادة تقديرية من المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، ودرع مهرجان الرواد العرب، وشهادة تقدير لجهوده في خدمة الموسيقى والأغنية الأردنية من مهرجان جرش للثقافة والفنون، وشهادات تقدير من عدد من المؤسسات والمهرجانات المحلية.
تقديراً لجهوده النمري منحته رئاسة جمهورية كوريا الديمقراطية دبلوم شرف، وذلك خلال مشاركته في مهرجان الربيع الدولي في كوريا، في حين منحته الجامعة الأردنية شهادة الدكتوراه الفخرية تقديراً لجهوده الرائدة ومكانته الفنية الكبيرة، وقد توفي الفنان الكبير توفيق النمري في الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني عام 2011 عن عمر ناهز الثالثة والتسعين، بعد مسيرة فنية طويلة كللها بالإنجازات والإبداعات الخالدة.

hbarari54@hotmail.com

0 التعليقات: