| بورتريه للمهندس عمر دخقان بريشة الزميل احسان حلمي |
د.مهند مبيضين
عمان - يحمل في ذاكرته المشروعات الكبرى، الطرق والسدود والمؤسسات التنموية، ومنها طريق العارضة وناعور والخرزه، ونقل المياه للشمال بخطوط أنابيب نفط شركة abc، وتأسيس سلطة وادي الأردن ورفع المياه إلى عمان من دير علا وغيرها.
ولد في العام 1927 في عمان "أول طريق وادي السير" من عائلة شركسية الأصل قدمت من روسيا "والدي قدم مع إحدى الهجرات الشركسية وعمره خمس سنوات"، واستقرت الأسرة في عمان "وكنا جيرانا مع بيت والد ناصر الدين الأسد ومنيف الرزاز.. عمان يومها بلدة صغيرة والمنطقة تنتشر فيها البساتين".
درس في مدرسة وصفي ميرزا بشارع طلال، وممن درسه د.منيف الرزاز "كان يتمتع بقلب مفعم بالقومية، كان جارنا، وطبيبي، وليلة عرسي سألته وطلبت منه النصائح".
من ثم انتقل إلى مدرسة السلط، ومن زملائه فيها سعيد بينو واحمد اللوزي واحمد فوزي، وعبدالرحيم الحياري وغيرهم، ومن أساتذته بالسلط خليل السالم وغالب الصناع وجريس القسوس وغيرهم "سكنّا في السلط، ولم نستطع الذهاب يوميا لعمان".
بعد العام 1946 ذهب لبغداد مع مجموعة من المبتعثين على نفقة الحكومة العراقية، وهناك درس الهندسة، وكان المبعوثون خمسة من أوائل الثانوية، ومنهم أحمد اللوزي وسعيد بينو وأحمد فوزي سالم وإبراهيم العطور، وسبقهم الشريف ناصر بن جميل، وهناك سكنوا في القسم الداخلي "كنا طفرانيين ولولا المنحة لما درسنا".
عاش الحقبة الملكية في بغداد "اذكر احتفالات مجلس أعمار بغداد"، وقابل نوري السعيد وشهد مجيء طلبة من سورية بالأخص من لواء الاسكندرونة، وبدأ تأسيس البعث.
بعد التخرج عاد لعمان مهندسا "كان قبلنا اثنان من أبناء الضفة الشرقية مهندسان في المملكة، وعُيِّن في العام 1950 في مصلحة الطرق، كانت تسمى النافعة، وتتبع لوزارة الاتصالات براتب تسعين قرشا باليوم.
عين أول مهندس أردني في الميدان، وكان موقع عمله الأول طريق العارضة "اليوم عندما انزل للغور أرى مكان خيمتي"، لكن يتذكر زمنا صعبا "جاء اللاجئون وكلهم وضعوا في مخيم الكرامة، وكانت طريق العارضة ومن ثم تقسيم الوحدات الزراعية فرصة لتشغيل اللاجئين".
يتذكر الملك عبدالله المؤسس "صار لي معه قصة بجسر الشونة. أذكر أن متعهد الجسر كان سمير نصر، وأنا كنت المهندس المقيم على الجسر في خيمة ومعي الحارس، وذات يوم بعد الظهر شرف الملك عبدالله الأول وكان (يمشي) وحاشيته معه وأقبلت عليه، وأنا مشمّر وفرحت وكنت (مفرّعاً)، ومددت يدي للسلام، لكنه لم يقبل السلام علي لأني غير محتشم، وتحدثنا بالتفاصيل كافة، لقد كان عالما ورجلا كبيرا، ويحب أن يكون مظهر الرجل لائقا".
بقي عمر دخقان مهندس ميدان وتطور في عمله، وصار من بعد مساعد مدير لواء البلقاء المهندس الأجنبي (بالمر)، وفي حديثه نعرف كيف شكلت طرق البلد، إذ يفيد أن الأميركان جاءوا لتمويل مشاريع الطرق.
استلم دخقان طريق عمان ناعور، وأدخل في العام 1951 أول آلة للطرق، وكانت "جرافة نوع كاتربلر" والجرافة الأولى في المملكة، وكانت الطرق قبل ذلك ترصف.
ذاكرته تحمل قصة بناء الطرق والجسور، يومها دائرة الري التي كانت تحت إدارة الأميركيين الذين اشتروا آليات، ولم يستخدموها "أخذتها وبدأنا نستخدم من ذلك الوقت الحصمة، وأحضرنا كسّارة، وكان معي 12 خبيراً أميركياً، ووضعت الكسارة في طريق ناعور..".
عمل الأميركيون في مشروع النقطة الرابعة، الذي تحول فيما بعد لوكالة الإنماء الأميركية، على مدّ طرق من الحدود السورية لجرش، ومنها للقدس.
قبل ذلك كانت الطرق تصمم من قبل مسَّاحين "أنا تدربت مع الأميركيين على تخطيط الطرق وفق معطيات الصور الجوية". ومنذ ذلك الوقت أسس دخقان دائرة تخطيط وتصميم الطرق على النموذج الأميركي، الذي يركز على دراسة أثر المنحنيات وميول الأرض والعرض و"أسست مختبرا للطرق، وكان مستوى متقدماً". وقبل عام صمم طريق "الخرزة" في الكرك المؤدية للأغوار الجنوبية.
خبرته جعلته مطلوبا، فعُرض عليه الذهاب إلى السعودية مديرا للطرق "إلاّ أنّ الوزير المعني حينذاك فلاح المدادحة رفض". لكن بقاءه كان من مصلحة البلد ومصلحته أيضا، ففي شباط 1955 عين مديرا عاما للخط الحديدي بالدرجة الثالثة براتب 38 ديناراً في الشهر، وقبل ذلك كان عضو مجلس إدارة الخط.
بعد عام أصبح مفتشا عاما في وزارة الأشغال بالدرجة الثالثة، براتب أربعين دينارا، ومن ثم ترقى إلى رتبة مساعد وكيل وزارة الأشغال براتب سبعين ديناراً، وكان وزير الأشغال سابا العكشة "طلب إليّ أن يعيّنني وكيل وزارة، لكن الوزارة تغيرت وتأخر الأمر".
ترقى في وزارة المياه وأسس دوائر مهمة فيها، ففي العام 1960 أصبح مساعد وكيل وزارة لسلطة المياه المركزية بدرجة أولى براتب قدره 86 ديناراً، قبل ذلك "عينني هزاع المجالي رئيس لجنة تصفية دوائر المياه في وزارة الأشغال العامة والنقطة الرابعة، البلد حينذاك لم يكن يوجد فيها ماء، والوضع صعب، ولا توجد دراسات، وكان هناك خبير جيولوجي مع الفريق الأميركي في النقطة الرابعة".
البحث عن الماء يؤكد انه كان يتم بلا دراسات والحفارات بدائية، وكان هناك حفارة مقدمة من قبل منظمة الأمم المتحدة، وهي الأولى في الأردن، ولما جاء دخقان كرئيس لجنة تصفية طَلب ممثل هيئة الأمم نقل الحفارة للباكستان، واعترض دخقان ورفض الطلب.
أعقب ذلك أن اقترحت المنظمة إرسال لجنة من الخبراء ليقرروا ماذا يعملون بالحفارة، وجاء خبيران كبيران، أحدهما فرنسي خبرته بالجزائر، وآخر إيرلندي و"اقترحا عمل مشروع في البلد وهو التحري والتنقيب عن مصادر المياه في الطبقات العميقة، وأعطونا حفارة كبيرة، وهذا المشروع من حسناته أن كل تمويله خارجي".
في العام 1962 أصبح نائب المدير العام لسلطة المياه المركزية، وهو يصف البلد بأنها كانت تعاني العطش المستمر، الدكتور حازم نسيبة قال له ذات صباح "يا عمر كيف تعيش ببلد فيش فيها ميه تنشرب". ويضيف أنه كان هناك شرط للأميركيين بأن لا يكون مدير المياه أردنيا.
تعدد مرجعيات المياه أوجد ضرورة لتوحيدها "الملك حسين ذهب لألمانيا واتفق معهم على إرسال لجنة لتطوير المصادر المعدنية، وجاءت اللجنة، ولما وجدوا أننا نعمل ذهبوا للملك، وأوعز بدمج كل الداوئر بدائرة واحدة اسمها سلطة المصادر الطبيعية العام 1966، التي جمعت إليها سلطة المياه أيضا".
وعين عمر (أبو عدنان) نائبا لرئيس (الرئيس كان رئيس الحكومة) سلطة المصادر الطبيعية بدرجة خاصة وبراتب 130 ديناراً، وجمعت السلطة الاختصاص الكامل لتطوير مصادر المياه، ومن الأعمال التي قام بها دخقان في الشونة الجنوبية الحد من تملح المياه؛ فعمل سد الشونة لتغذية المياه، وعمل أول سد كبير بالتعاون مع الجيش وهو سد السلطاني.
عندما تم تصوير فيلم لورنس العرب في الصحراء أشرف على حفر أول بئر في الديسي لسقاية الجمال التي استخدمت بالتصوير "اذكر أن البدو جاءوا، وسألناهم شو بدكم نعمل بعد إنهاء الفيلم وطلبوا بناء مدرسة".
في الديسي عملت السلطة في عهده على دراسة مصادر المياه "مسحناها وأحضرنا شركة ايطالية وطورنا حفر الآبار لري شمال العقبة".
ومن المشاريع الكبرى التي يفخر بها أنه نفذ مع مجموعة من فريق السلطة استعمال أنابيب البترول في الأردن العائدة لخط لشركة abc لنقل المياه من الأزرق لعمان "أعلنت لمن لهم خبرات في تنظيف الأنابيب وجاء انجليز، واشترطوا خضوع العرض لزيارة البلد والاطلاع". ولما رأت الشركة الموقع اعتذرت، وبعد شهرين وافقت و"اخترعوا مواد لتنظيف الأنابيب التي تمتد عشرات الكيلومترات وكان الأول من نوعه.
ومن مشاريعه التي يفخر انه أنجزها "نقل الماء من دير علا لعمان، وهو مشروع صعب، لأنه يتطلب ضخ الماء من قناة الغور إلى عمان في درجة ارتفاع عالية".
يعتز أنه هو الذي قدم مشروع قناة البحرين "كان هناك مؤتمر دولي عن البيئة لوزراء الخارجية في عهد مروان القاسم، وكان عند إسرائيل مشروع لجر مياه البحر الأبيض للميت، لكن مشروعهم يتخلله نفق، وهم بحاجة لنفق، ومن مساوئ النفق انه يمكن أن يحدث تسرب للمياه الجوفية ويلوثها لذلك ليس لهم من بديل إلا دعم مشروعنا".
تقاعد في شهر تشرين الأول 1969 براتب 42 دينارا ونصفا، لكنه عاد مديرا عاما وبرتبة وزير للمؤسسة الإقليمية لاستغلال روافد نهر الأردن العام 1972، ولما أسست سلطة وادي الأردن في العام 1976 أصبح رئيسا لها براتب 200 دينار، وبرتبة وزير، وبعد عام صار رئيسا للسلطة براتب 300 دينار، وبقي بها حتى العام 1982 حيث تقاعد.
بعد ان ترك العمل الحكومي عاد في العام 1984 رئيسا للمجلس القومي للتخطيط العام 1984، ومن ثم تحول المجلس لوزارة التخطيط. وبين عامي 1982 و1984 كان عضوا في المجلس الوطني الاستشاري، وبين عامي 1985 و1991 عين رئيسا لمجلس إدارة شركة البوتاس العربية، ومن بعدها رئيسا لمجلس إدارة الشركة العربية للتعدين بين عامي 1990 و1991.
يصف دخقان نفسه بأنه كان شديداً في العمل، وغير نادم على فرص فوتها، ويعتقد أن ذهابه للعمل في قطاع المياه كان من مصلحة البلد "في المياه رأيت الاستنزاف ووضعت العلاج لكن زيادة السكان بفعل اللجوء دمرت كل التوقعات".
تزوج العام 1953 من السيدة (سميحة نالشك) وأنجبا ست بنات وولدا.
تعليقات