النبي هود: قرية المُقدّس والدُنيوي 1 و 2 و 3

النبي هود: قرية المُقدّس والدُنيوي (1-3)



كتابة وتصوير .. مفلح العدوان

ها أنا هناك.. قريبا من المكان الذي مرّ به النبي هود.. ها أنا أمام المغارة التي يقال أنه أقام فيها، وتعبد هناك، فصارت القداسة تحيط بالمكان، مذ تلك العهود، وحتى آخر الزمان.
أصل مقام النبي هود في القرية التي تباركت بأن تحمل اسم النبي هود، وقد كنت أستعيد في ذهني قصة النبي، وقوم عاد، وكيف صار له مقام في هذا المكان، بينما قبره يوجد بعيدا هناك، في حضر موت، من ديار اليمن.
قلت سأتتبع خط المسير هذا، وأستعيد ما تيسر من مساحات التاريخ عبر كل تلك الأزمنة الماضية، من خلال البوح الذي أتمناه عبر حديث التاريخ والجغرافية لقرية النبي هود، وأيضا سيكون هناك قراءة أخرى لذاكرة الناس، وتفاصيل تفاعلهم مع المكان الذي يريد أن يعبر عن المخبوء فيه من مقدس عريق، عتيق، مرتبط بالمقام المهيب، وفي جانب آخر هناك صفحات للتفاصيل الدنيوية التي تتعلق بالحياة اليومية لأهل القرية، وذاكرتهم الحديثة، وعلاقتهم بالأمكنة المحيطة بهم، وهم على مرمى التفاتة من الطريق الرئيسي بين اربد وعمان، ويشرفون من تلك التلة التي تقبع فيها قريتهم على جامعة جرش، ويتشابكون بالنسب، والتعامل، والعلاقات الطيبة مع قرى أخرى حولهم لها نصيب من ميراث المقدس والدنيوي في قرية النبي هود.

الطريق الى النبي هود

أول المسير كان من عمان، حيث انطلقت من هناك، وبرفقتي الباحث الدكتور يوسف ربابعة، ووجهتنا قرية النبي هود، حيث سيكون مضيفنا، ودليلنا، الى قرية النبي هود، صديقنا الباحث الدكتور اسماعيل القيام، الذي يسكن في قرية الرشايدة، المحاذية لقرية النبي هود.
يممنا وجهتنا نحو الشمال، وسرنا في شارع اربد عمان، حتى اقتربنا من جامعة جرش، وبعد الجامعة ب500 متر كان هناك اشارة الى اليمين تشير الى قرية النبي هود، غير أننا مررنا في البداية بقرية الرشايدة المحاذية لقرية النبي هود، والتقينا الدكتور اسماعيل القيام، الذي رافقنا بطريق وسط الغابة، والمزارع، والبيوت الحديثة التي بنيت هناك قصورا، وسط التربة الحمراء، والشجر الأخضر، لتكون منتجعات تنعم بالمناظر الطبيعية، والهواء النقي، والفضاءات الرحبة.

الموقع والحدود

وصلنا قرية النبي هود من الجهة الشرقية، وليس من مدخلها الرئيس الذي يطرقه الزائر مباشرة من طريق عمان اربد، الى القرية، وقد فصّل لنا الدكتور اسماعيل القيام حدود قرية النبي هود حتى تكون معالمها الجغرافية، وعلاقتها بالأمكنة المحيطة بها، واضحة لنا،حيث قال بأنه يحد قرية النبي هود من الشرق الرياشي، ومن الشمال الخريشية، ومن الغرب شارع عمان اربد، وجامعة جرش، ومن الجنوب الرشايدة.
اتجهنا الى مقام النبي هود، الذي يمكن رصد موقعه بالنسبة لجرش في جهة جنوب شرق المدينة، على قمة جبل مرتفع، وسط هذه القرية التي عرفت باسم (قرية النبي هود).

البناء القديم.. الإعمار الحديث

ها قد لاحت لنا، من بعيد، ما إن دخلنا القرية، معالم المسجد الحديث الذي بني بجانب مغارة المقام، وهنا أورد ما تشير اليه الكتابات المتوافرة حول المقام بهيئته، ومعماره القديم، قبل أن يتم البناء الحديث عليه، إذ أنه كان عبارة عن بناء من غرفة مساحتها 16 مترا مربعا، يعلوها قبة، وأرضيتها مفروشة بالسجاد، والحصر، ومساحة قطعة الأرض الكلية 160 مترا مربعا، تحيط به مقبرة، وفي الجهة الشرقية منه كهف مظلم.
وقد تم تجديد بنائه سابقا من قبل العثمانيين في القرن التاسع عشر، غير أن البناء الحديث لمسجد مقام النبي هود، اكتمل في عام 2008م، حيث كان ضمن خطة الأعمار الهاشمي لمساجد الأنبياء والصحابة ومقاماتهم، وقد افتتحه جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، أثناء زيارته لمحافظة جرش، في شهر أيلول من عام 2008م.
وقد أقيم مسجد مقام النبي على مساحة 460 مترا، واشتمل مع المسجد، ومصلى للنساء، ودار للقرآن الكريم، مع المحافظة على الآثار القديمة المتمثلة، بالمغارة الموجودة في الموقع، والتي تثذكر في الأثر بأن النبي هود عليه السلام قد أقام فيها. كما أنه قد تم التأكيد على موقع المغارة ببناء قبة محمولة على أربعة أعمدة تقع الى الجهة الشمالية من المغارة، وإلى الجهة الشرقية من المسجد.

في حضرة المقام

وصلنا المقام، وما ان دخلنا بوابة المسجد، حتى كان في انتظارنا، شاب صغير، عمره لم يتجاوز الخمس عشر سنة، عرف على نفسه بأنه طارق علي عبد الله القيام، وهو ابن القائم على حراسة وحماية المسجد، وقد تبرع بأن يشرح لنا بما يعرفه عن تاريخ المقام.
كنا معجبين بشفافية حضور هذا الفتى، وثقته المريحة، فبدأنا بالاستماع له حيث قال: «هذا كهف النبي هود.. كان عايش في هذا المكان النبي هود.. أما بجانبه فكان في مسجد صغير من حجر وطين، تدخل عالمسجد، ومن ثمة تدخل على الكهف من نافذة صغيرة.. والكهف كان أعمق من هيك بحوالي 8 متر الى الأسفل، لأنه قوم عاد، اللي منهم النبي هود، اشتهروا بالطول والعرض والضخامة.. وكان في سرداب من الجانب الثاني للكهف، هذا مخرجه من منطقة بعيده من هون، لكن تم اغلاقه أثناء الحفر، بحيث يكون للكهف مدخل ومخرج واحد. كما أنه كان في للكهف روزنه، وهي فتحة في السقف، تغذي الكهف بالأكسجين، والتهوية، والإضاءة.. أما قبر سيدنا هود عليه السلام، فموجود في اليمن، في حضر موت، منطقة التلال الحمراء، وسميت حضر موت لأنه حضر ومات فيها..».

غرفة حجر وطين

لا تنتهي الحكاية هنا، فلا بد من استكمال السرد حول تفاصيل المقام، وكيف كانت طقوس زيارته في الأزمنة القديمة، وهنا نتوقف عن رواية شعبية أخرى حول مقام النبي هود، نجدها عند المختار عبد السلام محمد منيزل القيام (أبو فخري)، الذي التقيناه، بعد استكمال الزيارة للمقام، في قرية الرياشي، المحاذية لأراضي قرية النبي هود، حيث قال لنا بأنه «كان عند المقام جامع قديم، غرفة حجر وطين، وعليها قبة، وهذه بناها جد الغزاوية (الغزاوي)، وكانت مبنية على باب المغارة، وكانت قدامها شجرة زيتون، وقبور جدودنا طعمة وطعيمة.. وكان في كثيرين من مناطق بعيده، وقريبه، يطلبوا يندفنوا قريب من مقام النبي هود، وكان بعضهم يجوا على جمال، وكانوا يقعدوا أيام وأسابيع بعضهم، ويوخذوا قماشه من الشرايط، ويعلقوها على الشجرة، وكمان يرطوها على ايديهم يتباركوا بأثر من النبي هود..».

المقبرة القديمة

قريبا من المقام، وفي الجهة الشرقية منه توجد المقبرة القديمة، لا يفصلها عن مسجد المقام سوى سور، ولكن من هناك يمكن رؤية فيها كثير من القبور القديمة، التي يعرف أهل القرية بعض الأموات الذين دفنوا فيها، غير أن كثير منهم، دفنوا منذ أزمنة بعيدة، ولهم أسماء ليست من العائلات التي تقيم في القرية، وهذا يؤشر الى أعداد من كانوا يزورون المقام، بعضهم يتبارك به، وبعضهم للاستشفاء، وبعضهم يصر على أن يدفن قريبا من مقام هود في هذه المقبرة. ولكن هناك مقبرة أخرى في قرية النبي هود، تعتبر نسبيا حديثة بالمقارنة مع المقبرة المحاذية للمقام، وفيها يدفن كثير من الأموات من أهل القرية.
كما أن الملامح المحيطة بمسجد المقام يمكن وصفها بوجود خزان مياه قريب من هناك، وكذلك لارتفاع المنطقة فهناك برج مرتفع، ومشرف، يتبع لوزارة الزراعة، والهدف منه مراقبةالأراضي الزراعية، والحراج، في المناطق المحيطة في جرش، ودبين، والكفير، وغيرها.

سيرة القرية

تقع قرية النبي هود جنوب شرق جرش، على مسافة 45كم شمال عمان، وهي مطلة على طريق عمان اربد. وتتبع القرية الى لواء القصبة من محافظة جرش، وهي من ضمن بلدية جرش الكبرى.
الديموغرافيا:
يبلغ عدد سكان قرية النبي هود، بحسب آخر تعداد عام للسكان والمساكن عام 2004م، حوالي بـ(940 نسمة) ( 470 ذكور، و 470 إناث)، يشكلون 158 أسرة، تقيم في 203 مسكنا.

التربية والتعليم:

توجد في قرية النبي هود مدرستان هما مدرسة النبي هود الأساسية للذكور، ومدرسة النبي هود الأساسية للإناث.

الصحة:

لا يوجد في القرية مركز صحي، ولكنها تستفيد من خدمات الصحة، وباقي الخدمات الأخرى، من مركز محافظة جرش.

المجتمع المدني:

لا يوجد في قرية النبي هود أي جمعية أو نادي، أو هيئة تطوعية.
يوجد في القرية مقبرتان (القديمة، والجديدة).



النبي هود: قرية المُقدّس والدُنيوي (2-3)



كتابة وتصوير .. مفلح العدوان

ما زلت هناك، على ثرى تلك الأرض الطيبة..
ما زلت أحفر في الإشارات والدلالات التي ألمحها تلمع أمامي، مكونة هالة من الأسئلة التي بقيت ترافقني خلال زيارتي لقرية النبي هود.
نعم هي أكثر من زيارة عابرة، فقد كانت حالة اعادة اكتشاف لجوانب مختلفة من تاريخ عميق، عريق، عتيق، هو أبعد من مجرد تدوين تداعيات ذاكرة المكان هنا.. ويأخذني الوجد، كأني أعيش طقس تصوف، وشعائر غياب في المكان والزمان، حتى خلت أنني كنت أبتعد في رحلة عبر سنوات في الماضي البعيد، لأعود نحو عصور قديمة، أثناء لحظة تحديقي في صفحات صخور كهف النبي هود، الذي قيل فيما قيل عنه بأنه أقام فيه، وتعبد، وترك بعضا من أثره فيه.. ياه.. ربما يكون هو هذا الأثر الباقي هون الذي صار الآن يشكل سحرا، وحرزا في ذات الوقت، لمن جاء يروم معرفة أكثر، من خلال قراءة طبقات التاريخ، عبر اعادة اكتشاف رائحة التراب، ودلالات الحجر، ومساحات الفضاء المشبع بالقصص والعبر والمؤشرات التي تدل على مخطوطات، وسطور مؤسطرة كانت تواطن هذه الفسحة من الأرض.

بعد الطوفان

ها أنا أعود الى أزمنة مضت، وأنا أحدق في زوايا كهف النبي هود.. أستعيد في لحظة تأملي هذه، بعضا من تاريخ النبي، فقد كان هو أول الأنبياء بعد طوفان نوح.. هو أول أنبياء المنعطف الثاني للبشرية، بعد أن فاض تنور الأرض، وسارت السفينة بمن عليها، وقضى من قضى، وبقي من بقي لتكون حياة جديدة، بدأت بالتكاثر والتزايد، لتعود كيمياء الحياة الى ما كانت عليه، والبشر الى أخطائهم المستعادة، ويكون أوان الفصل بين دروب الصلاح، ومسالك الفتنة، وبهذا تكون الحاجة متحققة لأنبياء جدد، بدايتهم كانت مع هود الذي تشرفت هذه القرية بأن يكون مقام عبادته فيها، فترث اسمه، وتستقبل من بعده من يود التمعن في تاريخ النبي هود، حيث هذا المقال، في هذا المقام.

«فأنجيناه والذين معه..»

سوف أتتبع في كتابة سريعة ما تيسر من سيرة النبي هود، وبعدها سأرصد ما يتاح لي من تفاصيل أتوق لمعرفتها، عن قومه (عاد)، لكنني سأبدأ بالنبي هود عليه السلام الذي تذكر كتب التاريخ، والدين، بأنه هو «هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، ويقال أن هودا هو عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح، ويقال هود بن عبد الله بن رباح الجارود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام. كان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوص بن سام بن نوح، وكانوا عربا يسكنون الأحقاف (وهي جبال الرمل)، وكانت باليمن بين عُمان وحضر موت، بأرض مطلة على البحر، واسم واديهم مغيث، وقد أرسل الله هود الى قومه عاد، والمعروف عنهم قوتهم، وبأسهم، لينذرهم بعبادة الله وحده، ولكنهم كذبوه، فوقع عليهم من ربهم رجس وغضب، ونجى هود ومن معه برحمته، وقطع دابر الذين كذبوا بآياته، بأن أرسل عليهم غيوم سوداء وريح صرصر عاتية سبع ليال وثمانية أيام، دائمة، فأصبحوا صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، حتى أهلكهم الله سبحانه وتعالى، كما قال في محكم تنزيله: (وإلى عاد أخاهم هودا، قال يا قوم اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون* قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين * قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين * أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم؟ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون * قال قد وقع عليكم رجس وغضب، أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان؟ فانتظروا إني معكم من المنتظرين * فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين).

جلال.. فخامة

أتوقف قليلا عند كتابات وجدتها حول موقع المقام، واسم النبي هود، ودلالاته اللغوية، حيث يشير الباحث محمود سالم رحال، في كتابه «المشترك السامي في أسماء ومعاني المدن والقرى الأردنية»، وتحت عنوان مقام النبي هود، يذكر بأن «الاسم هود بالسامي المشترك بمعنى (جلال. فخامة)، يقع قرب جرش. والإسم هود من أصل آرامي ، من الجذر الآرامي مدح. مجّد. سبّح. إعترف. شكر. وفي التنزيل العزيز (إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون)».
كما أنه في كتاب «المعاني اللغوية لأسماء المدن والقرى وأحواضها في المملكة الأردنية الهاشمية» للباحث ركاد نصير، ذكر بأن «هود: إسم نبي أرسل الى عاد من العرب البائدة» ويضيف تحت ذات العنوان بأن «أهود بعدما تحرر بنو اسرائيل من البابليين استعبدهم حلف مشكل من الموآبيين والأماليستيين والعمونيين، علماً بأن هذا الحلف احتل جرش (مدينة النخيل)، وسيطر على معبر الأردن».
أما كتاب «المعالم الأثرية في المملكة الأردنية الهاشمية» للباحثة منى احمد الطائي، فلا يعطي اضاءات حول المقام، إلا بتحديد موقعه، على نحو أنه «على بعد 5كم الى الجنوب الشرقي من مدينة جرش يقع مقام النبي هود عليه السلام، على رأس تلة بالقرب من جرش».

قوم عاد

وبعد سيرة النبي هود، ومقامه، لا بد من إطلالة سريعة، على جانب من حكاية قومه، قوم عاد الذين أرسل الله اليهم هود نبيا، ونذيرا، وفي هذا الإطار أقرأ عنهم في معجم قبائل وحمايل عائلات فلسطين ما يشير الى أنه مذكور «في القرآن الكريم، أن الله ارسل هوداً الى قوم عاد، الى إرم ذات العماد. وقبيلة عاد، هي من أقدم القبائل العربية البائدة، ويضربون بهم المثل في القدم فكانوا ينسبون الشيء الذي يريدون أن يبالغوا في قدمه الى (عاد)، فيقولون إنه (عادي)، وإن رأوا بئراً قديمة لم يعرفوا حافرها، قالوا: (بئر عادية)، أي: من أيام (عاد)، والمشهور أن قوم عاد ظهروا في نواحي حضرموت.. ولكن هناك بقاعاً تحمل اسم هود عليه السلام في فلسطين، فيرى سكان قرية (هوج) من أعمال غزة، أن اسم بلدتهم تحريف لاسم النبي هود.
وذكر ناصر خسرو في رحلته (سفر نامة) أنه زار قبر هود في قرية (إعبلين) من أعمال حيفا، وكان بحظيرته شجرة خرنوب. وفي شرقي الاردن قرية تحمل اسم قرية (النبي هود) من أعمال اربد.
ويرى الاخباريون أن (عاداً) هو أول ملك من العرب طال عمره وكثر ولده، وفي عهد ولده، (شداد) استولى على الشام، وإليه نسب الزمخشري في تفسيره، بناءه مدينة (إرم ذات العماد)، ويرى بعض الباحثين أن (إرم) التي ورد ذكرها في القرآن، هي جبل(رام)، الموقع النبطي المكتشف على بعد 25 ميلاً الى الشرق من العقبة، في منطقة حسمى التي تقع جنوبي جبال الشراة، وتمتد حتى حدود الحجاز وفيها جبل (رم) أعلى قمة في جنوبي بلاد الشام حيث يعلو 1754م، وتتوفر فيه المياه الغزيرة».

«عين أم الشرطان»

أعود الى قرية النبي هود..
أتلمس ملامح الجغرافية فيها، حيث يذكر الدكتور عليان عبد الفتاح الجالودي، في كتابه «قضاء عجلون 1864-1918م»، بأن النبي هود، تعتبر من قرى المعراض (جرش) المأهولة، والتي يوثق تلك ا لقرى كاملة، وهي (سوف، دبين، الكتة، ريمون، الجزازة، برما، راجب، النبي هود، ساكب، الحسينيات، بليلا، كفر خل، مقبلة، دير الليات، نحلة، جرش).
وحيث أن قرية النبي هود، مشهورة بالزراعة، وتربتها خصبة، والأشجار، والخضرة، هي بعض من ملامحها، يمكن الإشارة أيضا الى واحدة من عيون الماء المشهورة في قرية النبي هود، وهي (عين أم الشرايط)، كما يعبر عنها أهل القرية، وبعضهم يعيد تداعيات هذه التسمية، الى أنه عندما كانت مياه هذه العين غزيرة، كان يغسلون عليها الملابس، والأقمشة، وينشرونها قريبا منها، فأخذت هذه التسمية. ولكن الاسم الوارد في الكتب، والمراجع، لهذه العين، هو اسم «عين أم الشرطان»، وتشير اليه بعض الكتابات في هذا السياق، وهنا أشير الى كتاب «قضاء عجلون» للدكتور عليان الجالودي، وفيه يرصد عيون الماء في منطقة المعراض ويثبت في هذه المنطقة عين أم الشرطان في قرية النبي هود. كما يأخذ من ذات المصدر الدكتور محمد عدنان البخيت، في بحث المرافق العامة في منطقة شرق الأردن، في كتابه (دراسات في تاريخ الشام/ الأردن)، حيث يثبتها في جدول الينابيع في قضاء عجلون «عين أم الشرطان في قرية النبي هود».



النبي هود: قرية المُقدّس والدُنيوي (3-3)



بوح القرى .. كتابة وتصوير .. مفلح العدوان


تأتي الحكايات، كأنها رفّ حمام..

تأتي محملة بفيض من الأسماء، والأحداث، والتواريخ، ما ان تكون أول استراحة تتاح للقادم الى قرية النبي هود.. بلهفة وشوق، تجىء تلك الحكايات، ملفعة بهالة من التلقائية، والبساطة، كأنها بعض طقوس الجلوس في حوش بيت في القرية، هناك، مع كأس الشاي بالنعناع، وأحاديث الكبار، مع مداخلات الشباب، حول تفاصيل قد تغفل عنها ذاكرة الكهول من كثرة ما تحدثوا بها، وما تراكم في أذهانهم من قصص الأسلاف القدماء، الذين ارتبطوا بهذه الأرض، وعمروها بدائهم، وعرقهم، وتعبهم، ولهاثهم.

أحواض.. وأسماء

يفيض الكلام بدفء التذكار، غير أنني، وقبل الاستماع الى بوح هؤلاء الكبار الطيبين، من أهل القرية، أجد لا بد من استكمال صورة المكان، وتقسيماته، من خلال اطلالة على جانب من جغرافية قرية النبي هود، وسرد بعض تفاصيل عن أحواض أرضها، ومعاني أسمائها، التي نجدها مدونة عند الباحث ركاد نصير في كتابه «المعاني اللغوية لأسماء المدن والقرى وأحواضها في المملكة الأردنية الهاشمية»، حيث يشير الى أنه يبلغ عدد أحواض قرية النبي هود 15 حوضا، هي: «حوض الخريشة: الخَرْش: الخدش، والخَرشة: الذبابة، والخِرشاء: سلخ جلد الحيّة، قشرة البيض العليا اليابسة بعد أن يخرج ما فيها، الغَبَرة. حوض سُقيا: الإسم من سقاه سقياً، أي جعل له الماء. حوض المجنونة: الأرض إذا أخرجت زهرها ونَورها، أو الأرض إذ هاج نبتها والتف، والمجنونة: النخلة الطويلة. حوض الرشادة: الصخرة أو الحجر ملء الكف. حوض الرياشة: الرياش: الحصب والمعاش، اللباس الفاخر، القشر. حوض أم الرتم: الرثم: من دقيق النبات زهر كالخيري وحبه كالعدس، وكلاهم يُقىء، أو المزادة المملوءة ماء أو المحجة، أو أن يعقد المسافر غصنين من شجرة فإن رجع ووجدهما على ما عقد قال وَفَت لي امرأتي، وإلا قال نكثت، وهي الرتيمة. حوض شريحة: قطعة من اللحم، أو كل سمين من اللحم ممتد، وعند العامة التين المشرّح. حوض الحمراء: ذات اللون الأحمر، أو المصبوغ بالحمرة، والحمراء أيضا البيضاء. حوض وادي الميتة: الوادي: منفرج بين جبال أو تلال أو آكام يكون منفذا للسيل، والميتة: مؤنث الميت، وهو من الحيوان مات حتف أنفه، والميتة: ما لم تلحقه الزكاة. حوض أم صدرة: الصدر: أعلى مقدم كل شىء، والسدرة: شجرة النبق. حوض الشنيكية: شَنَك الرجل: أبى وامتنع، وشنّك: رفع رأسه، والشُنُك: دفعات متتابعة من اطلاق البارود، وكل ذلك من كلام العامة. حوض أم النعاج: جمع النعجة وهي الأنثى من الضأن. ونعاج الرمل: البقر الوحشي والناعجة: الأرض السهلة. حوض أم تينة: التين: شجر ثمره احمر الفاكهة وأكثرها غذاء، أجوده الأبيض ثم الأحمر ثم الأسود، والتينة: الدُبُر، وماؤه. حوض ميسر ورد: ميسر: نبت، موضع. الورد: الاشراف على الماء وغيره، أو القوم يردون الماء. والوَرد من كل شجرة، نَورها، وغلب على شجر شاكّ له زهر أحمر وأبيض وأصفر ذو رائحة عطرية، ويعرف بالجوري. حوض سيطان التنور: السيطان: مناقع الماء، التنور: الكانون يخبز فيه، والتنور: وجه الأرض، أو كل مفجر ماء، أو محفل ماء الوادي».

وصية إبراهيم

ما زلت في قرية النبي هود، وما زال الدكتور اسماعيل القيام دليلي الى بيوت القرية، وحكايات أهلها، فهو الذي طرّق معي باب منزل المختار عبد السلام محمد منيزل القيام (أبو فخري) في الرياشي، قريبا، من قرية النبي هود، حيث كان الحديث معه حول قصة الناس مع المكان، وكيف تم إعماره، ومن سكنه.
يقول أبو فخري، أن قرية النبي هود، الآن، فيها من عشيرة القيام، ومن عشيرة الرقيبات من خزاعلة بني حسن. وبعدئذ يتحدث عن عشيرة القيام، وكيف قدموا الى القرية، حيث يقول «أول من سكن القرية، بحسب ما قالولنا اجدودنا، كان هذا قبل حوالي أكثر من 300 سنة.. ويحكوا عن جدنا الشيخ ابراهيم الخليلي، اللي اجا من الخليل، وقصته انه ومعه اخوانه، كانوا البقية اثنين، وهو الثالث، نزحوا من الخليل، فواحد منهم راح الى الصنمين في سوريا، وواحد راح عند بني حميده، في جبل بني حميده، جهة مادبا، وجدنا ابراهيم اجا هان، كان يزور النبي هود، وهو في همتا، واندفن هان، وبقوا خلفته في النبي هود.. والقصة عن استقرارهم في القرية هي انه جدنا ابراهيم أول ما جاء كان جيته لعند جماعة من الفقرا، من الحراحشة، في همتا قريب من برما، وضاف هناك عالعرب، وسكن عندهم، ولما شافوه متدين، يروح من همتا لمقام النبي هود يصلي، وهو وحيد، ومحترم، وكبير في السن، قاموا وجوزوه الختيارة (سرّه) من الحراحشة، حتى تدير بالها عليه، ويقال انها خلفت منه اثنين، هما (طعمه، وطعيمه). وظل في همتا، لكن لما توفي كانت وصيته انه يندفن في مقام النبي هود، وفعلا اندفن هناك، ومن بعديه اولاده، وخلفته، سكنوا عند قبره، وسموهم القيام، لأنهم كانوا يقوموا على خدمة زوار مقام النبي هود».

قبل مائتي سنة

واستمرارا للبحث في تفاصيل الخريطة الاجتماعية لقرية النبي هود، نقرأ عند اللفتننت كولونيل فردريك ج بيك في كتابه «تاريخ شرقي الأردن وقبائلها»، حول هود الذي يدرج تحت هذه التسمية خربة كفر هودا في السلط، وفي مواقع اخرى، حول قرية النبي هود، في جرش، وفي هذا السياق، حول النبي هود، يقول فريدريك بيك بأنه من الحمايل التي مرت بالنبي هود، حمولة الوقفية ، وحول اصولهم يشير الى أن «الوقفية: حمولة صغيرة من حمايل قرية النعيمة. أصلهم من قرية هود بجوار جرش، ويقطن قسم منهم في قريتي الحصن، وكتم». كما وأنه في موقع آخر من كتاب «تاريخ شرقي الأردن وقبائلها» يذكر فريدريك تفاصيل حول حمولتي الفلاحات واللواحمة، وهنا يقول بأن «الفلاحات واللواحمة: حمولتان خرجتا من جد واحد واسمه ابراهيم. هاجر من الخليل الى منطقة عجلون قبل 200 سنة تقريبا. وبعد تنقل في قرى عديدة استقر أخيرا في قرية هود، ولا يزال أعقابه فيها».

قرى أخرى

ستمر البوح..
ومع الحديث عن الناس، لا بد هنا من الإشارة الى تفاصيل مختلفة حول الخريطة الاجتماعية لقرية النبي هود، تعيدنا في جانب منها الى أزمنة ماضية، وفي جوانب أخرى الى الزمن الحاضر، حيث أشير هنا الى خروج عدد من العائلات من داخل قرية النبي هود لتشكيل تجمعات سكانية، وقرى أخرى مجاورة، كما هو الحال في قريتي الرياشي، والرشايدة المحاذيتين لقرية النبي هود، حيث أن سكان هاتين القريتين، هما من قرية النبي هود، وقد خرجوا منها، وتوسعوا في تلك المواقع، لأسباب عديدة منها اجتماعي، واقتصادي، وغيره من الأسباب التي وسعت من الانتشار الاجتماعي على رقعة جغرافية أكبر، بحيث تم تشكيل البنى الاجتماعية لتلك القرى الحديثة/القديمة، وسوف يتم التطرق الى أسباب تشكيل تلك القرى عندما يكون البوح عن كل من قريتي الرشايدة، والرياشي.

القس كلاين

كما أنه في مساحة أخرى من تاريخ قرية النبي هود الاجتماعي، وبالرجوع الى المراجع، والوثائق، الكتابات القديمة، سوف نلاحظ أنه في مرحلة من سيرة القرية، كان هناك تواجد لعائلات مسيحية فيها، حيث سكنها أعداد من المسيحيين، في القرن التاسع عشر، كما وثق لهذا الدكتور عليان عبد الفتاح الجالودي في كتابه «قضاء عجلون 1864-1918م»، حيث قال أنه قد «أشار القس كلاين الذي زار القضاء (قضاء عجلون)، عام 1868م الى القرى التي يسكنها مسيحيون في الستينيات من القرن التاسع عشر، وهي راجب وبرما والجزازة والنبي هود والكتة ومقبلة وخربة الوهادنة وحلاوة وأوصرة وسوف وريمون وساكب وعين جنا وعنجرة وكفرنجة ودبين، وذكر أن هؤلاء يعملون في الأعمال الحرفية التي يحتاجها الفلاحون، مثل صناعة المحاريث، وحذو الخيل مقابل مقدار معين من الحبوب، وجميعهم اغريق ارثوذكس».
ويضيف الدكتور الجالودي في ذات السياق بأن «هذا الانتشار المسيحي في قرى القضاء الذي أشار له القس كلاين، لم يستمر طويلا، فيبدو أن المسيحيين ربما لظروف الأمن والحماية أخذوا يتركزون في تجمعات قروية محددة، فاضطر قسم كبير منهم الى الهجرة الى قرى معينة مثل: الحصن، وعجلون».

دعوة للمشاركة

alqora@jpf.com.jo

هذه صفحة تؤسس لكتابة متكاملة حول القرى الأردنية، وتطمح لتأسيس موسوعة جادة شاملة. ولن يتأتى هذا بجهد من طرف واحد، فما يكتب قد يحتاج إلى معلومات للاكتمال، أو قصص أخرى لم يلتقطها الكاتب في زيارة واحدة، وهي مفتوحة للإضافة والتعديل قبل أن ترتسم بشكلها النهائي لتكون وثيقة لكل قرية، والأمل بأن تأتي أية إضافات أو تصويبات أو معلومات أخرى من أهل القرى والمهتمين مع اقتراحاتهم، وعلى العنوان: بوح القرى - الرأي

ص.ب- 6710-عمان-1118-فاكس 5600814
بريد الكتروني alqora@jpf.com.jo


تعليقات