يوميات ساعي بريد
البريـــد الأردنــي يَسْلَم مــن الخصخصـــــة ويتطلع إلى منافسـة القطاع الخــاص
∎ البريد في زمن «الفيسبوك».. الحداثة قضت على السعاة والـ قتل الرسالة الورقية
∎ الدول تعتبر المساس ببريدها مساساً بسيادتها
∎ اللواء - محمد أبو عريضة
مضت أيام العزاء الثلاثة بمرّها وأساها، وبحلو بعضها، فقد فوجئ أنجال الفقيد وأحفاده بعظم محبة الناس لعزيزهم المتوفى، ما زادهم افتخاراً به، وخفف من أحزانهم عليه، ولكن ما شكل لهم صدمة ايجابية، كثافة الناس الذين شاركوا في تشييع الجثمان، والذين زاروا سرادق العزاء، صحيح ان لهم أقارب وأصدقاء وزملاء في العمل ولكن الآخرين من أصدقاء ومعارف الفقيد كانوا أكثر، خاصة من الشخصيات العامة من رؤوساء وزراء سابقين، ووزراء واعيان ونواب سابقين وحاليين، ومن المديرين والضباط المتقاعدين، ومن رجال الدين المسيحي وآخرين كثر، ما زاد من ثقل المسؤولية على كاهلهم، لجهة ما يترتب عليهم جراء ذلك من التزامات كثيرة.
منصور ابن الخمس عشرة سنة أحد أحفاد الفقيد كان أكثر أبناء وأحفاد الفقيد حزناً على جده، فقد لازمه في السنوات الأخيرة من عمره كظله، حتى انه اضطر ان يتغيب عن المدرسة لعدة أيام ليلازم جده وهو يرقد على فراش الاستشفاء في المستشفى، وزاد في شعور منصور بفقدان جده، حينما فتح والده الابن الأكبر للفقيد رسالة وداع كتبها الجد قبل وفاته بأيام، خصّ فيها منصور بنصيب الأسد من حديث عاطفي جميل، ولكن ما دفع الدموع إلى عينيّ منصور ان الجد أوصى بالصندوق الذي كان يحرص عليه وعلى محتوياته كثيراً، لمنصور بكل ما يحتويه من كنز ثمين من متعلقات الجد الشخصية، ولولا ان أحد الأحفاد من أبناء عمومة منصور أبدى امتعاضه قائلاً ان هذا الأمر يخالف الشريعة الإسلامية، فتركة الجد توزع على الجميع كما جاء في القرآن الكريم، لحمل منصور الصندوق مسرعاً إلى حجرة جده التي كان يقضي فيها منصور أجمل أوقاته مع جده، وفتحه بتؤده وغاب بعيداً مع جده وذكرياته الجميلة.
الصندوق خيب آمال عدد من الأبناء والأحفاد الذين اعتقدوا انه يحمل بداخله مجوهرات أو سندات تسجيل لأراضٍ لا يعرفون عنها، فقد أفرج الصندوق عن عدد كبير من الطوابع محفوظة بشكل منظم في عشر البومات، وعدد من الرسائل العادية، وكراسة صغيرة كتب الجد على غلافها (يوميات البريد)، إضافة إلى عدد من السبحات، والميداليات ونسخة صغيرة من القرآن الكريم، وأشياء أخرى صغيرة ليس لها قيمة نقدية بالنسبة للبعض، ولكنها جداً ثمينة بالنسبة لمنصور والآخرين من الورثة، لجهة ما تحمله هذه المتعلقات من عبق جميل لعزيز غادرهم للتو.
البريد عام 1955
أول ما بدأ به منصور من متعلقات جده كراسة يوميات البريد، فتحها وإذا به يجد على الصفحة الأولى رسالة قصيرة موجهة إليه مكتوبة بخط يد جده الجميل، يطلب فيها من منصور ان يحافظ على محتويات الصندوق، خاصة الكلمات الواردة في هذه الكراسة، وأضاف انه كتب صفحات هذه الكراسة عام 2009 فقد أخذت بعض الذكريات تلح عليه، ففضل ان يكتبها عساها تكون ذات فائدة للأجيال المقبلة، خاصة ان البريد الأردني حسب حدود علمه لا يمتلك ارشيفاً يمكن لأي باحث ان يعود إليه.
صفحات الكراسة الأولى تتحدث عن بداية انضمام الجد للعمل في مصلحة البريد عام 1955، اثر تركه قريته في الضفة الغربية بعد وفاة والده، وعدم تمكنه من الحصول على فرصة عمل يمكن لها ان توفر لشاب اقتربت سنوات عمره من الثلاثين من دون ان يكون قادرا على تكوين أسرة، والذين كانوا يصلون عمر الثلاثين في تلك الأيام من دون زواج كانوا يعدون في الأوساط الاجتماعية حالات غير سوية.. وصل الجد إلى عمان وهو يحمل رسالة من أحد الشخصيات النافذة في محافظة الخليل موجهة إلى وزير الداخلية حينذاك هزاع المجالي، الذي شكل بعد عامين فقط حكومته الأولى، كانت وزارة الداخلية تقع في تلك الأيام بشارع السلط مقابل مبنى البنك المركزي القائم اليوم، فقام المجالي بمرافقة الجد مشياً على الأقدام إلى وزارة ''المواصلات'' - كان اسمها هكذا وكانت تضم مصلحة البريد ومصلحة الهاتف ومصلحة النقل - التي كان وزيرها حينذاك ضيف الله الحمود ووكيل الوزارة عبد المجيد مرتضى، وكانت في نفس مبنى مكتب بريد وسط البلد اليوم في شارع الأمير محمد.
بريد المحطة
تعين الجد ساعياً للبريد في مكتب بريد المحطة، الذي كان يعد في ذلك الحين أهم مكتب بريد في الأردن، بل لعله كان يعتبر من أهم المرافق الحكومية، لجهة ان المحطة كانت تعد في خمسينات القرن الماضي مركز النشاط الاقتصادي والتجاري في المملكة، ففيها كانت دائرة الجمارك تقع، وفيها إدارة خط الحديد الحجازي، ومعسكرات الجيش، والسجن، ومستودعات الجيش، وهي اقرب الأحياء لمطار ماركا.
كان الجد حسب ما جاء في كراسة يومياته انه عمل ساعياً للبريد وعاملاً على ''بدالة'' تلفون المكتب، كان ينطلق صباح كل يوم إلى مقر الوزارة في شارع الأمير محمد مشياً على الأقدام لأخذ أكياس البريد، ويعود مشياً على الأقدام أيضاً إلى بريد المحطة، ليقوم بمساعدة عدد قليل من موظفي المكتب بفرز الرسائل، لكي يحملها لاحقاً ويوزعها على أصحابها مشياً على الأقدام أيضاً، صحيح انه كان يتقاضى ثلاثة قروش يومياً كأجرة لركوبه المواصلات اثناء تنقلاته لغايات العمل، ولكنه كان يفضل المشي لتوفير القروش الثلاثة، لأنه تزوج وأخذت الدنانير السبعة والنصف التي كان يتقاضاها راتباً بالكاد تكفي الأسرة الجديدة الناشئة، خاصة انه لم يؤثث المنزل الذي استأجره بالشكل المطلوب قبل الزواج، ما دفعه لكي يضيف ما نقص من أثاث تدريجياً عبر توفيره بعض الدنانير من راتبه ومن القروش الثلاثة التي كان يوفرها، ويبدو أن عادة المشي التي كان يعتبرها مفروضة عليه لغايات التوفير، قد أفادته في كبره.
كانت المناطق التي يغطيها الجد في عمله كساعي بريد يوزع الرسائل على أصحابها هي ماركا الشمالية، والهاشمي الشمالي والجنوبي، ونادي السباق الملكي، وجبل النصر، ووادي النصر، وجزء من شارع المحطة إلى دوار النشا، وكتب الجد في إحدى الصفحات خاطرة جالت في باله يتساءل فيها (ماذا لو كان يفتح الرسائل التي كان ينقلها إلى أصحابها، لكانت كل أسرار الناس لديه، وماذا لو قام كل سعاة البريد في العالم عبر التاريخ بفتح الرسائل، لتغير تاريخ العالم).
حكايات
يقول الجد: إن حكايات كثيرة تعرف على أدق تفاصيلها وهو يتجول على المنازل موزعاً على أصحابها رسائل كانت تصلهم، ولكنه لأسباب موضوعية يفضل ان لا يبوح بها، فهي أسرار ائتمنه أصحابها عليها، ولكن إحدى الحكايات يمكن ان تشير إلى بعض ملامح حياة الناس في خمسينيات القرن الماضي، وهي حكاية الحاج إسماعيل الذي كان يسكن في المحطة، فقد أنهى ابنه الأكبر محمد ''المترك'' - السنة 11 في المدرسة وهي السنة الدراسية الأخيرة قبل العمل بنظام التوجيهي عام 1961- ، وأراد له ان يسافر إلى الكويت للعمل فيها، فقد كانت الكويت منتهى غاية أي شاب طموح، وبالفعل سافر محمد إلى الكويت كما اعتقد الوالد، وأخذت الرسائل تصل الحاج إسماعيل من ولده واحدة كل شهر، ولكن الشك دخل وجدان الرجل بعد مضي عدة أشهر من دون ان يرسل ابنه محمد نقوداً داخل الرسائل كما هي عادة الذين كانوا يعملون حينذاك في الدول الأخرى، فذهب واستشار صديقاً له، وإذا بحكاية محمد تتكشف، فقد سافر محمد إلى القاهرة للتقدم لشهادة التوجيهي ودخول الجامعة، فقد كان طموح محمد يتعدى ''المترك'' كثيراً.
محمد اتفق مع عم له يعمل في الكويت ان يساعده مالياً خلال سنوات الدراسة الجامعية في مصر، وطلب منه ان يرسل الرسالة التي تصله شهرياً في الكويت من القاهرة إلى والده في عمان بعد تغيير المغلف البريدي، وهكذا كان الأمر الذي استمر تسعة أشهر، وأما حكاية صديق الحاج إسماعيل الذي استشاره بشأن الدنانير الكويتية التي لم تكن تحملها رسائل محمد، فقد كان يعرف السر، ويعرف ان الحاج إسماعيل لن يتركه حتى يعرف الحقيقة، فأفرج عن السر الذي ائتمنه عليه محمد قبل سفره، ومحمد هذا أصبح أكاديمياً ألمعياً، وترقى في المناصب الأكاديمية الجامعية إلى ان وصل إلى أعلاها.
ساعي البريد
يعتبر ''البريد'' تاريخياً من أهم مقومات سيادة الدولة، أية دولة، وقد أسبغ القادة والزعماء والأباطرة عبر التاريخ على البريد قدسية خاصة، واعتبروا المساس بأي من مفردات فكرة التراسل أمر يمس سيادة الدولة، والبريد وفقاً لمدير عام شركة البريد الأردني احمد علي عبيدات يعتبر من أهم أركان الدولة، واحتل دوراً هاماً في الأردن منذ نشأة الدولة الأردنية عام 1921، فالوظيفة التي تتطلبها تحقيق فكرة التواصل بين الناس في الدولة الواحدة وبين الناس في الدول المختلفة تضع من يقوم بها في ركن مميز، وهو ما منح ساعي البريد قدسية خاصة بين البشر، بوصفه حامل وحامي أسرارهم، فساعي البريد بوصفه وسيطاً نزيهاً بين المتراسلين يشبه إلى حد بعيد الوسطاء من الشخصيات العامة الذين يتدخلون لفض النزاعات بين الناس وفك اشتباكاتهم المختلفة، فالوسيط لفض النزاعات الناشبة بين الناس يحظى بمكانة مرموقة بين الناس، والأمر كذلك ينسحب على ساعي البريد، مع اختلافات في ميزات القيمة الاجتماعية، لجهة ان الوسيط لفك الاشتباكات يعمل مجاناً، وأما ساعي البريد فانه يعمل بأجر.
البريد تاريخياً عند العرب
كان العرب قديماً يتراسلون بين بعضهم البعض بطرق مختلفة، على قوالب من الطوب أو على ألواح من الخشب أو على سعف النخيل أو على ورق البردى كانوا يكتبون رسائلهم، وكانوا ينقلونها إما عن طريق الحمام الزاجل أو بواسطة رسل من البشر يتنقلون مشاة أو على الحمير أو على الخيول أو الجمال، فقد كان قدماء المصريين يكتبون رسائلهم على قوالب من الطين، ومن ثمَّ يحرقون هذه القوالب، ولضمان سرية ما هو مكتوب في هذه الرسائل فقد كانوا يضعون الرسائل المكتوبة على قوالب من الطين داخل أغلفة مصنوعة من الطين أيضاً، فكان المرسل إليه يقوم بكسر الغلاف للإفراج عن الرسالة داخله، وانتقل قدماء المصريين لاحقاً للكتابة على الجلود بعد دبغها، وعلى لحاء الشجر، ثم انتقلوا للكتابة على ألواح الخشب المكسوة بطبقة من الشمع كغلاف للرسالة، ولاحقا انتقلوا للكتابة على لفائف البردى، استعملوا في الكتابة أقلاماً دببوها، كانوا يغمسونها في حبر اسود يصنعونه من الصمغ و''الهباب'' وأحياناً كانوا يستعملون المداد الأحمر.
التراسل في العصر الإسلامي
تحسن أداء البريد في صدر الدولة الإسلامية، فتمكن الخلفاء الراشدون وهم في المدينة المنورة من معرفة أحوال الأمصار البعيدة، وأحوال المعارك القائمة بسرعة قياسية، وفي العصر الأموي مع اتساع رقعة الدولة استخدم المسلمون البريد على نطاق واسع ويعتبر معاوية بن أبي سفيان أول من وضع نظاماً إدارياً للبريد، الذي كان مركزه مدينة البصرة، وبلغ عدد محطات البريد حينذاك 950 محطة، كانت الواحدة منها مجهزة بجياد قوية سريعة لنقل الرسائل.
عبد الملك بن مروان أضفى على البريد تحسينات هامة، فوضع عناوين وإشارات على الطرق لتسهيل مهمة السعاة وهم ينقلون الرسائل، كانت هذه الإشارات مثل اليوم تحدد أسماء واتجاهات المدن والمسافات المطلوب قطعها للوصول إليها، وازدهرت لاحقاً مهمات البريد لتشمل مراقبة الولاة وأعمال التجسس على الأعداء، ويعد أبو جعفر المنصور من أكثر الخلفاء اهتماماً بالبريد وبشؤونه.
الحمام الزاجل
وفي عهد المماليك ازدهر البريد وبلغ ذروته خاصة في زمن بيبرس، فقد طغى البريد الجوي عبر الحمام الزاجل، وكان لهذا البريد أبراج على الطريق، ينقل الحمام الزاجل الرسائل من برج إلى آخر، وكانت الرسالة تكتب على نسختين، تنطلق الحمامة الأولى بالنسخة الأولى، تليها الحمامة الثانية حاملة النسخة الأخرى بعد ساعتين، لضمان وصول الرسالة، وغالباً ما يتم إطلاق الحمام الزاجل في الأجواء الماطرة، والحمام الزاجل غالباً ما يحمل علامات فارقة لتمييزه عن غيره من الحمام العادي، بوضع علامات على منقاره، أو قص بعض من ريشه، وغالباً ما يستخدم مع الحمام الزاجل ورق خاص، والمرسلون لا يسهبون في كتابة التفاصيل في الرسائل التي يحملها الحمام الزاجل، فمعظم هذه الرسائل كانت مختصرة على هيئة البرقيات اليوم، والتراسل بالحمام الزاجل يشبه إلى حد بعيد البريد السريع هذه الأيام.
ومن الحكايات الطريفة عن الحمام الزاجل قصة رواها رحالة انجليزي زار بلاد الشام في القرن السابع عشر، فلاحظ ان سماء سوريا خلت من الحمام، فاستفسر عن السر وراء ذلك، فقيل له ان حمامة من الحمام الزاجل وقعت بيد صياد، فوجد رسالة مربوطة في رجلها، كان قد أرسلها تاجر أوروبي إلى وكيله في مدينة حلب يخبره فيها بارتفاع أسعار الجوز في الأسواق الأوروبية، ويطلب منه فيها شحن كميات كبيرة من الجوز، فعمد الصياد إلى تاجر آخر واخبره بفحوى الرسالة، فقام بدوره بإرسال شحنات كبيرة من الجوز إلى أوروبا وجنى من هذه العملية مبالغ طائلة، وحينما شاع الخبر عمد الصيادون إلى اصطياد أعداد كبيرة من الحمام علهم يحصلون على غنائم مماثلة، وبشكل عام فإن الحمام الزاجل استخدم كناقل للرسائل أول مرة عام 24 قبل الميلاد، حينما حاصرت جيوش القائد الروماني (مارك انطونيو) قوات القائد (بروتس) في مدينة ''مودلينا''، وكان الملك ''اكتافيوس'' الثالث على اتصال دائم مع ''بروتس'' للاطلاع على صموده في الحصار من خلال رسائل كان يحملها الحمام الزاجل، وهو الأمر الذي زاد من صمود المدينة.
أرشيف البريد
فكرة ''التراسل'' أو البريد تحمل بداخل طياتها تفاصيل تاريخ الشعوب والأمم، فبحسب الباحث المصري عبد الوهاب شاكر وهو المسؤول عن جمع المادة التاريخية والارشيفية لتوثيق تاريخ البريد المصري كجزء من مشروع ذاكرة مصر الذي تشرف عليه جامعة الإسكندرية، فإن أرشيف أي بريد يحتوي على أدق تفاصيل حياة الناس، وبإمكان الباحث ان يعيد قراءة تاريخ البلدان والشعوب عبر أرشيف البريد، ولكن المشكلة الكبرى التي يعاني منها البريد الأردني انه لا يمتلك ارشيفاً، ولا أحد يعرف من المسؤول عن هذا الإهمال، فعمر البريد الأردني 90 عاماً، ومن المفترض لو قُيّض لباحثين الاطلاع على أرشيف خاص بالبريد الأردني لو قامت مصلحة البريد منذ تأسيسها بالاهتمام بهذا الأمر، فانه كان بالإمكان انجاز عدد من البحوث الاجتماعية والتاريخية المهمة، خاصة ان الأردن ما زال إلى اليوم يحتاج إلى قراءات جادة موضوعية في تاريخه الذي كتبه في المراجع الموجودة مجتهدون اغفلوا تفاصيل كثيرة خاصة الذاكرة الشفوية للأردنيين، إضافة إلى انهم اتبعوا منهجيات بحث عليها ملاحظات.
عالم الرسالة
منصور الحفيد وجد ضالته المنشودة التي بحث عنها طويلاً في الصفحات الثلاث الأخيرة في كراسة جده، فقد كان منصور قد تناقش مطولاً مع جده حول فكرة التراسل، وعن الرسائل الورقية ومصيرها بعد ان شاعت فكرة التراسل الالكتروني، تحدث حينذاك جده بكلمات عامة لم تروِ شغف الشاب منصور ولكن ما كتبه الجد في الصفحات الأخيرة للكراسه اشبع فضوله.
يقول الجد ان عالم التراسل أو الرسالة مليء بالغموض، عالم جميل متخم بالأسرار العصية على الإدراك، عالم ساحر، ذو شجن ووجد، عالم عادل وظالم في ذات الوقت، يحمل بين صفحاته قصص نجاحات كثيرة، ولكنه يحمل أيضاً قصص فشل كثيرة أيضاً، عالم واسع يحكي قصة الإنسان منذ اخترع الأبجديات الأولى وأخذ يكتب الرسائل، بل أقدم من ذلك بكثير حينما كان التراسل شفاهياً ولعل الرسل بين الله والبشر مثل ''جبريل'' عليه السلام من أهم قصص التراسل عبر التاريخ، إلى اليوم الذي باتت فيه الرسالة الورقية من الماضي، وأصبح الفضاء الالكتروني - استخدم الجد في كراسته هذا التعبير - سيد الموقف، ولم يعد لأمثاله - أي أمثال الجد التماثليين عكس الرقميين أو الديجتاليين - مكان. فتمعن منصور فيما كتبه الجد، وقال لنفسه: ماذا لو أدرك جدي ''الفيسبوك'' و''التويتر''؟ فقد ابتلعت هذه التقنيات سعاة البريد أمثال جدي.
التخاصية
لأن البريد يعتبر من أركان سيادة الدولة، فإن كثيرين أبدوا تخوفات في تسعينات القرن الماضي ابان خصخصة قطاع الاتصالات، ببيع مؤسسة المواصلات السلكية واللاسلكية شقيقة مصلحة البريد، ولكن أصوات هؤلاء لم تَلْقَ اذانا مصغية، وذهبت الحكومة في توجهاتها إلى مصلحة البريد، فحولته عام 2004 إلى شركة حكومية، كمقدمة موضوعية لبيعها إلى القطاع الخاص، كما هو حال المؤسسات الحكومية التي وضعتها برامج التخاصية في قائمة الجهات المعروضة للبيع، وأما الجهات والأشخاص الذين تحمسوا لبيع البريد فقد واجهتهم مشكلة لم يجدوا لها علاجاً، تمثلت في تدني جاذبية مصلحة البريد للقطاع الخاص، فلم تبد جهات جادة اهتماماً بشراء الشركة الوليدة، ما جعل البريد الأردني يصمد أمام طوفان التخاصية إلى اليوم، وهو أمر جيد حسب تقديرات كثيرين.
مدير البريد
محمد علي عبيدات الذي التقته اللواء شاب لا تشير هيئته إلى انه موظف في مصلحة أو شركة البريد، فقد شاعت مقولة لدى الأردنيين: ان من يريد التعرف عن كثب على الموظف العمومي أو ''الميري'' عليه التعرف على أحد موظفي البريد، يعلق عبيدات على ذلك قائلاً ان الصورة النمطية عن موظف البريد تغيرت كلياً، فالبريد الذي تأسس عام 1921 من خلال 8 مكاتب بريدية، أصبح اليوم يمتلك بحدود 360 مكتباً بريدياً في أنحاء المملكة كافة، معظمها محوسبة، وتعمل وفقاً لأحدث التقنيات الحديثة.
عبيدات ذو شخصية ديناميكية ولا يتطلع فقط إلى تحسين الأداء في شركة البريد فقط، بل ينظر إلى تقديم خدمات إضافية بجودة عالية، ليتمكن من منافسة شركات القطاع الخاص، بل والتفوق عليها، خاصة ان البريد الأردني هو الجهة الوحيدة الحكومية ومن القطاع الخاص الذي يمتلك انتشاراً أفقياً على مستوى المملكة بحجم عدد المكاتب البريدية العاملة اليوم، وبحجم المركبات والدراجات العاملة، وبعدد الصناديق الذي يصل إلى 160 ألف صندوق بريدي.
الرؤية والرسالة
يقول عبيدات انهم يتطلعون إلى الانتقال إلى مرحلة يصبح فيها البريد الأردني شركة بريدية حديثة قادرة على تقديم خدمات بريدية ومالية ولوجستية متطورة للأفراد والمؤسسات في القطاعين العام والخاص على المستويين المحلي والإقليمي والدولي.
وأما رسالة شركة البريد الأردني فتتمثل في: الاستخدام الفعال لشبكة البريد الأردني وتحقيق رضى الزبائن وفقاً للمستوى المطلوب من قبل الزبائن وتطبيق معايير ا لجودة العالمية في تنفيذ الأعمال وتوفير الحلول التكنولوجية اللازمة لدعم العمليات والأعمال بما فيها نظام إدارة المعرفة واستقطاب أفضل الكفاءات ومتابعة تطوير أداء العاملين وتوفير بيئة العمل المناسبة وتعزيز ثقافة التميز والأداء للعاملين وتحقيق المستوى المطلوب من الربحية.
الأهداف
وتهدف الشركة اليوم حسب عبيدات إلى زيادة الإيرادات العامة بنسبة 5٪ وزيادة الأرباح بنسبة 10٪ وتخفيض كلف الخدمات بنسبة 5٪ سنوياً وللسنوات الخمسة القادمة وإعادة رسم العمليات في دائرة التشغيل لتخفيض عدد الإجراءات اللازمة لأداء كل خدمة بحيث يؤدي لتخفيض معدل الوقت اللازم لأداء كافة الخدمات بنسبة 10٪ وزيادة عدد كبار الزبائن بنسبة لا تقل عن 20٪ سنويا والاستجابة لمعايير جودة العمل العالمية والاتحادات البريدية النوعية وزيادة تنوع عدد الخدمات المقدمة للزبائن بنسبة لا تقل عن 10٪.
نقاط قوة البريد ونقاط ضعفه
تتمتع شركة البريد وفقاً لعبيدات بمزايا هامة وبعدد من نقاط القوة تتمثل في: الشبكة الواسعة والمنافذ التي تقدم الخدمات داخل المملكة وتوفر أسطول نقل جيد وتوفر واستخدام جيد لتكنولوجيا المعلومات في بعض النواحي ولبعض القطاعات والسمعة والثقة في شركة البريد الأردني كخلف لوزارة البريد والاتصالات، وتوفر الموجودات الثابتة والبريد الأردني جزء من شبكة الاتحاد البريدي العالمي والاتفاقيات المعقودة ذات المدد الزمنية الطويلة وذات الدخل الثابت وتقديم (الخدمات الحصرية والخدمة الشمولية والمقدمة نيابة عن الحكومة التي تساعد في اقتصاديات الحجم) والتنوع في الخدمات المقدمة من قبل البريد الأردني والدور القيادي في مجال بريد الرسائل.
وأما نقاط ضعفه فهي: الإرث السابق من العمالة الزائدة والتعيينات العشوائية وقلة الكفاءات ولا يوجد مسح ودراسات كافية عن المنافسين لتحديد الحصة السوقية وعدم تطبيق مبدأ مؤشرات الأداء للنشاطات المختلفة ومقاومة استخدام التكنولوجيا الحديثة وعدم القدرة على استغلال الشبكة البريدية الواسعة وعدم وجود إستراتيجية تسويقية واضحة وعدم وجود مرونة في التخليص الجمركي على البعائث البريدية وضعف تطبيق أنظمة إدارة الجودة لدى بعض الإدارات وضعف عمليات الأتمتة الميدانية Field Automation.
التحديات والفرص
يعتقد عبيدات ان عدداً من الميزات النسبية في الأردن توفر لشركة البريد فرصاً للتطور، من أبرزها وجود المدن الصناعية وتحرير الأسواق والموقع الجغرافي (على مستوى الإقليم والتوسط بين الأسواق الناشئة والتطور المتسارع في مجال سوق الاتصالات ومنفذ لبرنامج الحكومة الالكترونية وسياسة الشراكات الإستراتيجية والتوسع والتنوع في الخدمات البريدية العالمية (الحوالات، IFS, .. ) والامتداد والتوسع العمراني المتسارع في الأردن.
وأما التحديات فتتمثل في: التقدم التكنولوجي المضطرد والذي يفرض أنماط عمل جديدة تتعلق بطرق انجاز المعاملات الكترونيا (e-..) والذي سيؤثر سلباً على أعمال البريد إذا استمر بأداء أعماله بطريقة تقليدية، حيث ان 60٪ من أعمال البريد وخدماته ستتلاشى خلال عامين، والعبء المالي الناجم عن تقديم الخدمات الشمولية والحصرية وعقد الأداء قدرت بـ 250,1 مليون دينار حسب دراسة أعدت لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عام 2006 وتقدر حالياً 5,2 مليون دينار بسبب ارتفاع الأسعار والتضخم وفرض نسبة تعادل (1 بالمائة) من قيمة الإيرادات البالغة حوالي عشرة ملايين دينار ليتم توريدها لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات، ولا تفرض على شركات القطاع الخاص الأخرى في حين تدفع الشركات المنافسة رسما سنويا مقطوعا لا يتجاوز 10 آلاف دينار لشركات البريد الدولي ولا يزيد عن 1000 دينار للمنافسين محليا، مثل شركات النقليات وغيرها إضافة إلى تغطية شركة البريد رسوم اشتراك الأردن في الاتحادات الدولية والعربية والإقليمية وكلفة حضور المؤتمرات التي تقيمها هذه الاتحادات (مجموعها حوالي 150 ألف دينار) وإلزام شركة البريد بآلية تسعير للخدمات الشمولية والحصرية والتي تحددها هيئة تنظيم قطاع الاتصالات ولا تشارك شركة البريد بوضعها وحتى تاريخه لم تقم الهيئة باعتماد أسس ومعايير لتسعير الخدمات البريدية - رغم تحكم الهيئة في قرارات التسعير افتراضياً، وعدم إعطاء رخصة تخليص للشركة مما يعيق جزءاً من أعمالها (الطرود).
الحلول المقدمة من الشركة
يقول عبيدات: إن الشركة تتطلع لتحسين جودة ونوعية الخدمات في إطار جملة من الحلول تقدمها الشركة عبر الالتزام بشروط وتعليمات الاتحاد البريدي العالمي، فيما يخص التوزيع الجغرافي وتنفيذ حملات المتسوق الخفي لقياس رضى الزبائن وقيام دائرة الرقابة الداخلية بزيارات دورية للاطلاع على مدى تطبيق الأنظمة والتعليمات المتعلقة بالخدمة والحصول على شهادة توكيد الجودة ISO 1009 عام 2008 وتم تجديدها عام 2009 والحصول على شهادة تقدير من صندوق تحسين نوعية الخدمة/ الاتحاد البريدي العالمي عن أحسن مشروع قدم للمجلس الائتماني للصندوق لعام 2007 والحصول على شهادة نوعية الخدمة لتوزيع البريد الوارد فئة B عن عام 2005 من الاتحاد البريدي العالمي والحصول على شهادة التقدير البرونزية من تعاونية البريد العاجل الدولي التابعة للاتحاد البريدي العالمي عن المستوى العالي الأداء لتوزيع بعائث البريد السريع والحصول على شهادة تقدير عن مستوى إصدارات الطوابع البريدية الجميلة من منظمة هواة الطوابع العالمية WIPA في عام 1999 ويتم التحضير الداخلي لتهيئة الشركة لدخول جائزة الملك عبد الله الثاني للتميز إضافة إلى زيادة عدد الخدمات كخدمات البريد، بريد الرسائل، والبريد السريع والطرود، والخدمات المالية، مثل آلات التخليص، والحوالات المالية الفورية وتحصيل فواتير وخدمات مبيعات البطاقة المدفوعة مسبقا، وخدمات الصناديق البريدية الخاصة وخدمات صندوق توفير البريد والخدمات التجارية: البريد الدعائي، الرسائل الجوابية وخدمات البريد المهجن وطلبات الالتحاق بالجامعات وخدمات التوزيع والتحصيل وخدمات البرق.
إضافة إلى الخدمات غير البريدية مثل: طلبات التأمين الصحي وطلبات مكرمة سكن كريم لعيش كريم والحوالات المالية الداخلية وصندوق المعونة الوطنية ومشروع حاسوب لكل مواطن وتجديد جوازات السفر وبطاقات الأحوال المدنية وتجديد رخص القيادة والسيارات وتسويق الخدمات البنكية لقطاع البنوك وخدمة كبار الزبائن مثل البنوك وشركات الخدمات (الكهرباء والمياه والاتصالات) والضمان الاجتماعي.
التاريخ : 2011/05/03
تعليقات