ديوان الضيغم (1) و (2)

بوح تفاعلي: ديوان الضيغم (1)




إشارة
هذا ديوان الضيغم.. نبدأ بتدوين ما يتوافر لدينا من معلومات، ورواية شفوية حوله، في سبيل البدء بكتابة علمية لجزء من الفلكلور،
والقصص الشعبية المحفوظة في صدور الكبار. وهنا سيكون الراوي لديوان الضيغم هو الأستاذ سليم الياس حداد (أبو مازن) الذي يحفظ كثيرا من تفاصيل هذا الديوان، وقصصه، وقصائده، وستكون الكتابة على فترات، حيث كل مرة سنستكمل ما تجود به ذاكرة (أبو مازن) من ديوان الضيغم،
حتى نقدم صورة مكتملة حول تلك الملحمة الشعبية التي كانت ساحتها الأرض الأردنية، وهي ملأى بالعبر، والحكم، والطرائف، والشعر البليغ.
عرار.. وعمير
يقول الراوي لـ»ديوان الضيغم» سليم الياس حداد (أبو مازن):
«حكم الأتراك البلاد العربية حوالي خمسة قرون ونيف. وأثناء حكمهم هذا كانت تعيش عشيرة كبيرة تسمى العَمُر في هذا البلد الطيب، وتحديدا في محافظة الكرك. وتتألف العشيرة من فرعين أو فخذين، هما الضيغم وشيخ هذا الفرع عرار ابن الضيغم، والراشد وشيخ هذا الفرع عمير بن راشد. وكانت هذه العشيرة بفخذيها؛ الضيغم والراشد، ترحل وتنزل سوية مع بعضهم البعض كعشيرة واحدة، إلا أن الطبيعة الانسانية عمل من شخصية كل من شيخي الفرعين طبائع لكل واحد منهما منافية للآخر، وجعلت كل واحد منهما يغالي في الإيقاع بالآخر ليكون موضعا للهزء أو السخرية، وكان لكل منهما صفة خاصة به تختلف عن الثاني، فبينما نجد أن عرار طويل القامة، شجاع، سريع الغضب، نجد أن عمير مربوع القامة، شجاع، طويل الأناة، غير متسرع، وهو أقرب الى الدهاء منه الى البراءة.
وحدث أن يوما نزل عمير الى المدينة (الكرك)، واشترى صحنا (منسف) من النَحّاس الذي يجيد صنع هذه الصحون بشكل يرضي أصحابها، خاصة عندما يكون مقتنيها شيخا معروفا. وعندما عاد الشيخ بالصحن، شاهد رجال العشيرة هذا الصحن الضخم الذي اشتراه عمير، فبدأوا يتناقلون عنه بأنه واسع وجميل وحسن الصنعة، مما حدا بعرار، شيخ الضيغم، أن ينزل الى المدينة، ويذهب الى ذات النحّاس الذي صنع صحن عمير، ويسأله بالقول «سمعت ان الشيخ عمير اشترى صحن من عندك»، فيجيبه الصانع بالإيجاب، ويبادر عرار بالقول بأنه يريد صحنا أكبر منه، وأحسن، مهما كلف من ثمن، فيوافق الصانع على ذلك ويعمل صحنا الى عرار أحسن منه وأكبر، ويأخذه عرار الى بيته.
وفي احدى الجلسات يتحدث عرار ويقول؛ سمعت ان الشيخ عمير اشترى صحن جيد وواسع، ولكني اشتريت صحن أكبر منه، وأحسن، فيتناول الجالسون مثل هذا الحديث بالتعليق والهرج الى أن اقترح أحدهم احضار الصحن ليحكموا أيهما الأحسن. وهنا يُسرّ عرار في أذن أحد عبيده أن خذوا الصحن وامسحوه بالسمن، ووهجوه على النار، وامسحوه جيدا، واحضروه ليشاهده الناس. وفعلا ينفذ العبيد الوصية، ويحضروا الصحن، وإذا به يلمع لمعانا يخطف الأبصار، فيلهج الجميع بالإطراء والمديح، والقول بأنهم لم يشاهدوا أحسن منه صحنا أبدا. وهنا يأتي دور عمير الذي يسرّ لعبيده أن املأوا الصحن بالتمر والسمن، وأحضروه للرجال، ليأكلوا، فينفذ العبيد ما قاله عمير. وأحضروا الصحن ملآنا بالتمر والسمن. وهنا يقول عمير للحاضرين؛ (تفضلوا عكيس الله، وكيس ولد عمي عرار). فيأكل الحاضرون، ولا يسعهم إلا القول بأن «الصحن الملآن أحسن من الفارغ». ويكتم عرار غيظه لوقوعه في هذا المطب، ويصمت على مضض، ويتحين الفرص للإيقاع بالشيخ عمير».
«الخير يقع في الحفرة»
يكمل أبو مازن بعد ذلك قائلا:
«وفي احد الأيام تهدي عرار أفكاره ليعمل من عمير مهزلة وأضحوكة للرجال، بأن يطلب من عبيده أن يحفروا حفرة عريضة، ويطلب من عمير أن يتجاوزها، والذي لا يستطيع على تجاوزها، يقوم بعمل وليمة للعرب. وكان عرار يتكل على طول قامته، وهو واثق بأنه سيتجاوز الحفرة، بينما عمير سيقع فيها، ويكون عرضة للسخرية. والذي حدث فعلا أن عرار تجاوز الحفرة، بينما عمير لم يتمكن من ذلك، وبادر حسب الشرط بأن نحر وعمل وليمة للعرب. وبعد أن أكل الجميع، طلب عمير من عبيده أن يوسعوا الحفرة أكثر، ثم طلب من عرار أن يتجاوزها، ولم يتمكن عرار من أن يتجاوز الحفرة لأنها أوسع من السابقة، بينما قفز عمير، معتمدا على قوته، وخفته، وتجاوز الحفرة. وهناك سأله عرار «لماذا لم تتجاوز الحفرة الأصغر في المرة الأولى». فأجابه عمير بدهاء «يولد عمي، اذا انت تجاوزت الحفرة وانا اتجاوزتها، من اللي يغدي العرب».. وقد ذهبت هذه الحادثة مثلا منذ تلك الأيام الى اليوم: الخيّر يقع في الحفرة».
ضحكة أم عامر
تستمر القصة بين الاثنين، في سجال، وتحد، حيث أنه «لم تهدأ الخواطر بين الشيخين على اثر ما حل بعرار من غبن أمام رجال العشيرة، من حادثة الصحن، وحادثة الحفرة بعد ذلك. ولكن بعد مرور فترة قصيرة ذهب الجميع، من العشيرتين، في رحلة صيد، واصطادوا بقرة مهاة، حيث أقدم عرار على تعليق الصيده بغصن عالي من شجرة الميس التي يستظلون بظلها، وقال «ما من أحد يلثمه (يأكل) إلا اذا قطع له شيخه. وكان يرمي من وراء ذلك بأنه طويل القامة، وبإمكانه اطعام جماعته، ولكن لأن عمير مربوع القامة، فإنه لا يقدر أن يطول الصيده، ولما حضر عمير وشاهد جماعته جالسين لا يأكلوا سأل، وعرف السبب، فبادر الى امتشاق سيفه، وقفز، وقطع الغصن، ووقعت الصيده، وأطعم جماعته ومرت هذه الحادثة بهدوء، الى أن ناموا في الخلاء. حيث انه بعد أن أوقدوا النار ليلا، وأكلوا، وشربوا، وناموا، بقي عرار صاحيا، وظن أن عمير نائما، فجعل يزيح الجمر على فروة عمير. وسكت عمير على مضض الى أن نام الجميع، حيث قام على (حلة) قدر كبير ملآن من دهن الصيدة، ووضعه على النار، ثم وضعه أمام أم عامر (وهي فرس مشهورة للضيغم، وأم الحصان المشهور)، فرأسا غبّت الفرس بالحلة لتشرب على أساس أنه ماء، فاحترق فمها، وبانت أسنانها كاشحة، ولما أراد عرار أن يستهزىء بعمير، في اليوم الثاني، بالقول أن النار حرقت فروته بدون أن يدري، وهو نائم، وأثناء ضحك الموجودين على ما حلّ بعمير قال لهم عمير «فعلا ان ما حدث يضحّك أم عامر». ولما رأى جماعة الضيغم ما حل بفرسهم، قاموا كل الى سلاحه، والتقوا لمحاربة بعضهم البعض، لولا أخوين لهما هما هلال وعقيل، وهما أولاد عم تقريبا، وقفوا بين الفريقين، ونخوا بعضهم البعض ان «امنعوا الزلم عن بعضهم البعض، لن جنّوا شيوخنا حنا ما ننجن».
رحيل عمير
«إلا أن عمير على أثر ما حدث ترك العشيرة، وقال لعرار «انا تارك العشيرة لك». وقال قصيده يشرح بها ما حدث، بألم ومرير، وحرقة:
قنصنا قنيص يوم الخميس صدنا من الوحوش بقرة مهاة
ساوينا حيله ما هي نفيله طلعت علينا من الخاسرات
أول عمانا قلّة هدانا تعليق غدانا بغصن الغضاة
طلق عرار من سيفه طلق عرار من الماضيات
قال اكلوا يقصار بظف عادات اهلنا قص الطايلات
جاها عمير بسيف شطير قطع ارشاها ويّا الحاملات
قال اكلوا يطوال بظف القصار عادات اهلنا قص الطايلات
بعيني المشهور لولا الهجار كان المشهور مع الطايرات
قاموا علينا، قمنا عليهم الكل اعتلى ظهور الصافنات
عيا عليهم هلال وعقيل عيا عليهم ارياد البنات
يا ريت شهوان لا كان خلّف يا ريت شهوان عقبه بنات
خلف عرار عكبده مرار خلّى الرفاقا ايروحوا شتات»
يا شجرة الميس ريتك تبيس لا بلك الله بقطر النداة
عمنك ملمه لولد عمي عمنك ملمه للصافنات
لعنة شجرة الميس
وهنا يمكن تفسير القصيدة، استكمالا للقصة التي تم روايتها سابقا، على النحو التالي:
يبدأ عمير قصيدته بأن قال؛ ذهبنا للعيد، وكان يوم خميس، واصطدنا يومها بقرة مهاة، وهي نوع من الغزلان البرية، وعملنا عمل خاطىء، عادت نتائجه علينا خاسرة، ويفسر ذلك بأن قال كان من سوء تدبيرنا تعليق الصيدة بغصن الشجرة العالية، حيث أقسم عرار بأن ما من أحد يأكل إلا الذي يطولّه شيخه، وتباهى عرار بطوله عندما قال «اكلوا يقصار بظف الطوال»، أي بمعيتهم، ويمتدح نفسه، وجماعته، بأن هذه هي عاداتنا بوصولنا الى البعيد العالي، مهما كان بعيدا، ويقول عمير بأنه جاء بسيفه وقطع غصن الشجرة من أساسه، ويختصر كلامه بأن قال قاموا علينا، قمنا عليهم، والواقع أن ذلك تم عندما اكتشف رجال الضيغم ما حل بفرسهم أم عامر، ولكن عمير اختصر ذلك وقفز الى الملاقاة عندما قال قاموا علينا، قمنا عليهم، وكل الفرسان امتطت خيولها استعدادا للقتال، لولا اخوينا هلال وعقيل، اللذان حالا دون ذلك وامتدحهما بأن قال بأن مثل هؤلاء الشباب الشجعان، تعشقهم الصبايا. وأكمل قصيدته بأن دعى على اشهوان والد عرار، وقال يا ليته ما خلّف ولدا، واذا خلف دعى ان يكون بنات، وليس شباب. ويكمل بأن اشهوان خلف عرار «عكبده مرار»، أي خلف الرجل السيء الذي كان سببا بأن شتت الرفاق، والأقارب، وجعلهم بعيدين عن بعضهم البعض، بدلا من أن يكونوا قريبين. وختم قصيدته بدعوته على شجرة الميس، حيث قال عنها حبذا لو يبست هذه الشجرة وحبذا لو لم تصلها المياه كباقي النباتات، لأنك (أي شجرة الميس) لم تكوني سببا في أن تلمينا، بدلا من أن تفرقينا، كما حدث وتفرقنا. والصافنات تعني الخيول، وهنا اشارة الى أن الشجرة كانت سببا في أن جمعت، (ولملمت) الخيول للحرب بأصحابها.

بوح تفاعلي: ديوان الضيغم (2)



كتابة وتصوير .. مفلح العدوان

إشارة

هذا ديوان الضيغم.. نبدأ بتدوين ما يتوافر لدينا من معلومات، ورواية شفوية حوله، في سبيل البدء بكتابة علمية لجزء من الفلكلور، والقصص الشعبية المحفوظة في صدور الكبار. وهنا سيكون الراوي لديوان الضيغم هو الأستاذ سليم الياس حداد (أبو مازن) الذي يحفظ كثيرا من تفاصيل هذا الديوان، وقصصه، وقصائده، وستكون الكتابة على فترات، حيث كل مرة سنستكمل ما تجود به ذاكرة (أبو مازن) من ديوان الضيغم،
حتى نقدم صورة مكتملة حول تلك الملحمة الشعبية التي كانت ساحتها الأرض الأردنية، وهي ملأى بالعبر، والحكم، والطرائف، والشعر البليغ.

السلطان مارد

استكمالاً لما كان في الحلقة السابقة من أحداث شائقة، يكمل السيد سليم حداد (أبو مازن)، كتابة وسرد، جوانب من (ديوان الضيغم)، حيث يقول:
«لقد لاحظ عرار بعد أن أوصل الحاكم التركي لمشاهدة ميثا وعمرا، أن هذا الحاكم قد انبهر بجمالهن، لدرجة أفقدته عقله، وبالأخص عندما تناول الصاع من البيزرجي، وأخذ يكتال بنفسه الحبوب، ويعد الصاعات، بطريقة خاطئة، لأن همه كان البقاء في هذه الوظيفة، يكيل الحبوب بالصاع، ويضع في العدل، وعمرا وميثا يمسكن باب العدل، ويطلن له بالدعاء بطول العمر، وهن يكتمن أنفسهن من الضحك على هذا التركي الذي يسمى «السلطان مارد»، وقد تطوع بنفسه ليملأ العدول بالحبوب، وهن يعرفن بطبيعتهن الأنثوية بأنهن أفقدنه لبه، وتصرف هذا التصرف المشين.
وقد لاحظ عرار كل ذلك، ويبدو أنه ندم على ما بدر منه، لأنه فجأة تفقّد السلطان مارد، فلم يجده، وعرف أنه ذهب إلى الشيخ عمير ليطلب منه إحداهن، وكان قد أسرّ للسلطان مارد بأن الشيخ عمير بيده كل شيء عنهن، وهو الذي يعطيه واحدة منهن إذا كان مخلصا له كما قال له. ولمّا لم يجد السلطان مارد أسرع عرار ولحقه خوفا منه على عمير، لأنه يعرف مسبقا ماذا سيحدث له من هذا الحاكم التركي. ولما وصل، وعرف كل ذلك، وأنه أمر ب»فَلَقة» الى الشيخ عمير، بادر رأسا وأسر ثانية بأذن السلطان مارد بأن أبقي الشيخ عمير حرا، حتى نتحدث معه بالذي تريده، فاستجاب السلطان مارد إلى عرار، وألغى الفلقة الى الشيخ عمير، وأمر بإخلاء سبيله، وطرده من خدمته، وقال له (سيبقى السور مغلقا عليكم حتى توافقوا على طلبي)».

حميدان الخطيب

«وهكذا فقد بقي الجميع داخل السور، وعندما أخذ الليل بعضه، وقسم كبير من العشيرة، داخل السور بنسائهم، وأولادهم، كان من جملة الموجودين بينهم الختيار حميدان الخطيب، وكان ثقيل السمع، ولم يعرف ما حل بهم، ولكنه احتج على تأخيرهم إلى الليل، وسألهم لماذا التأخير، فقال الشيخ عمير لجماعته، خذوا الختيار بعيدا، وسمعوه، وقولوا له ما حل بنا، وبأن السلطان مارد يريد احداهن «عمرا أو ميثا»، وبأنه ينتظر الجواب، والسور مغلقا علينا. فقال لهم الختيار، عشرة بأكملها ما تقدر تفتح السور، يا ناس، عليكم بثقب السور، وعمل فتحة تهربون منها. وهكذا بدأ الجميع بذلك إلى أن فتحوا كوة في السور، وفرّوا هاربين ليلا من تلك الكوة.

المعركة

«عندما عرف السلطان مارد بهروب العشيرة من داخل السور، لحقهم بعسكره، وأمر العسكر بتقييد الشيخين عرار وعمير، اذا ظفروا بهم، واحضارهم اليه مكبلين. وكان قد عرف بأن عرار أيضا أحنث بوعده، لأنه فتش عليه داخل السور، ولم يجده، وعرف بأنه هرب معهم. وهناك في منطقة تل الزعفران، لحق العسكر الأتراك ومعهم السلطان مارد بالعرب، وحدثت معركة حامية الوطيس، تلاقى فيها الختيار حميدان الخطيب، والسلطان مارد نفسه، وقتل فيها السلطان مارد، وبقي مجندلا في تل الزعفران».

قصيدة عمير بن راشد وشرحها

«ويقول عمير بن راشد على اثر هذه المعركة، بعد أن أنقذوا حميدان الخطيب، وبقي السلطان مارد مجندلا في تل الزعفران:

(أنا اخوكي يا عمرا عمير ابن راشد
اضحيت سور وللرجال عذاب
لنّي قضبت السيف بالخمس زعرتي
بالترك ولو الجموع الهضاب
تلاقى حميدان الخطيب والسلطان مارد
والكل صار له من كف ذاك صواب
حنّا اطلعنا الخطيب ابن راشد
وسلطانهم ظل بتل الزعفران انصاب)

وشرح قصيدة عمير بن راشد هذه يكون على النحو التالي: يبدأ عمير قصيدته بكل فخر واعتزاز، ويقول مخاطبا اخته عمرا زوجة عرار (أنا اخوكي)، وكثيرا ما ينتمي العربي بالقول (أنا اخو فلانه)، كما أن العشائر الكبيرة المعروفة لها اسم امرأة واحدة يعتبر كما يقولون فزعة لها، ونخوة للعشيرة. فيقول مثلا الواحد منهم (أنا اخو فلانه)، وهكذا يقول عمير لأخته أنا اخوكي يا عمرا عمير ابن راشد، ويصف نفسه بأنه الحامي والمدافع عن قومه بقوله اصبحت سور وللرجال عذاب، أي وكأني داخل سور منيع، ويكمل بقوله للرجال عذاب، يعني صعوبة الوصول اليه. ويقول عمير لأخته بأني اذا أمسكت السيف بيدي ذات الأصابع الخمسة عليكي ان تزغردي لإقدامي على ملاقاة الترك ولو كانوا بكثرتهم كالجبال. ولكنه استبدل كلمة الجبال بالهضاب (جمع هضبة، وهو التل المرتفع)، تمشيا مع القافية. ويكمل بأن الاثنان حميدان الخطيب، والسلطان مارد، تلاقيا بالمعركة، وكل منهما جرح الثاني إلا أنهم ادركوا الخطيب، وخلّصوه حيا، أما السلطان مارد فقد بقي في تل الزعفران، مجندلا في أرض المعركة هناك».

تل الزعفران

«وبعد..
فقد مرت سنوات طويلة وأنا أردد هذا البيت الأخير من القصيدة:
حنّا اطلعنا الخطيب ابن راشد وسلطانهم ظل بتل الزعفران انصاب
وكلما أعدت ترديده، أتساءل عن موقع تل الزعفران، وأردد السؤال عن الموقع أمام كثير من الناس والأصدقاء، لكني لم أجد جوابا، الى أن تأتّى لي يوما في نادي الضباط المتقاعدين في عمان. وكنا نتبادل بعض أحداث هذا لديوان (ديوان الضيغم)، وسألت الأخوة عنه لأعرف وأتحقق أن هذه الحرب وقعت فعلا على الأرض الأردنية، بين الترك والعرب، وسررت عندما انبرى أحد الضباط المتقاعدين من بني صخر، وهو الأخ (سالم خليف السحيم/بني صخر)، ليخبرني بأن تل الزعفران يقع على طريق مأدبا ام الرصاص، وعلى هذا التل آثار تعود الى دولة مؤاب (المؤابيون)، أي قبل الميلاد، ويقع ضمن لواء الجيزة، ويقطن المنطقة فرع من عشيرة الزبن من بني صخر، وإذا اردت مشاهدته حدد لي موعدا لآخذك اليه. وفي هذه الأثناء، قفز الى ذهني ما سيقوله المتنبي في مثل هذه الحالة، وأنشدت جزلا هذه الأبيات:
أيدري الربع أي دم أراقا وأي قلوب هذا الركب شاقا
لنا ولأهله أبداً قلوبٌ لاقى في جسوم ما تلاقى
وبين الفرع والقدمين نور يقود بلا ازمتها النياقا
سلي عن سيرتي فرسي ورمحي وسيفي والهلملعة الدفاقا
تركنا من وراء العيس نجداً ونكبنا السماوة والعراقا
فما زالت ترى والليل داجٍ لسيف الدولة الملك ائتلافا
ادلتها رياح المسك منه اذا فتحت مناخرها انتشاقا»

قصة حية.. تشبه الأساطير

«وأضيف بأن «ديوان الضيغم» قد طبق ذكره الآفاق،وبالأخص المنطقة الجنوبية، وأنه ما من عشيرة أردنية حضرية كانت أم بدوية، إلا وسمعت او ذكرت هذا الاسم (ديوان الضيغم)، وذكرت مع اسمه هذا حدثا من أحداثه الهامة حتى أصبح الحديث عنه أشبه بالأساطير.
لقد احتضن تراب الأردن كثيرا من الحضارات عبر التاريخ، ومن اجناس مختلفة، وها هي الآثار المتناثرة هنا وهناك تعد شاهدا على ذلك، إلا أنه لم يبق لنا من هؤلاء قصة حية نتحدث فيها، ونستمرىء الحديث بها، اللهم الا قصة الضيغم، هذه التي تناقلها الخلف عن السلف، واستمر الحديث بها الى يومنا هذا. والسؤال هنا لماذا كل هذا الاهتمام؟ والجواب عليه هو أن عرب الضيغم هم عرب أقحاح، ولغتهم عربية مثلنا، ولهذا فتحن نستسيغ الحديث عنهم، وعن عاداتهم، وتقاليدهم، لأنها أصبحت من تراثنا. والسؤال الثاني هو لماذا هذه العشيرة بالذات وليس غيرها؟ والجواب أيضا في أن الأحداث المأساوية التي حدثت لهذه العشيرة والتي تبعث على الحزن، وكذلك تبعث على الفخار، والتي تعتبر فريدة من نوعها. ولا أغالي ان قلت أنها تتوافق مع كثير من أمورنا الحياتية وقضايانا الاجتماعية، ولا بأس من أن نأخذ منها قيما وعبرا. والقارىء لهذا الديوان، الذي لم يطبع بعد، سيقف مبهورا أمام التضحية التي لا حدود لها عند التعاطي بها فيما بينهم، وكذلك بقية الصفات الانسانية الراقية».



بوح تفاعلي: الذاكرة الشفوية .. ديوان الضيغم



درب آخر تفضي إليه القرى..
يمتد ليصبح فضاءات مما تختزنه ذاكرة الناس، وخزائن من محفوظات صدور الكبار التي يتناقلها الخلف عن السلف، فتصير حينا حكما وأمثالا، وحينا قصصا وحكايات، وفي أحيان كثيرة هي خلاصة مدونة لتاريخ اجتماعي وسياسي وثقافي كادت تمحوه يد الزمن، بعد أن قل الاهتمام به، خاصة مع حالة إغفاله، وإهماله، وعدم توثيقه.
هذا تاريخ شفوي، وذاكرة متوارثة، صار لا بد من الالتفات إليها، وجمع نتفها من أفواه من تبقى من الحافظين لتفاصيلها، قبل أن يكون الضياع لهذا الكنز من التراث، والتاريخ، والقصص، والأحداث، التي تتسرب الينا مرة بصيغة قصيد، ومرات كثيرة على هيئة قصص وملاحم، وأحيانا سرديات يتداخل فيها الواقعي بالأسطوري، والحقيقي مع المتخيل، ويكون هنا السؤال عن السبل التي لا بد من انتهاجها للحفاظ على هذه الذاكرة، واستحضارها، في مواجهة ثقافة النسيان والاستهلاك والخذلان، وربما يكون أقل القليل الذي يمكن تقديمه في هذا المضمار، هو جمع ما توافر منه ليكون حبرا على ورق، بدلا من أن يبقى سواليف عابرة لمجالس المناسبات الطارئة، وبعدئذ لا بد من اكتمال المشروع ليتم ترجمته بشكل علمي على هيئة كتب، ومخطوطات يمكن تحقيقها، ونشرها، والإفادة منها.
دعوة للرواة
وربما نكون في «بوح القرى» بدأنا مشوار جمع تلك الذاكرة الشفوية، نتفا، من كل قرية، بحسب ما يبوح به أهلها، ولكنها قد تشكل جزئية من الفسيفساء الأكمل، غير أننا في سبيل هذا، سنطلق هذه الدعوة مرة أخرى، لنجمع تلك الذاكرة، والكرة هي الآن في مرمى الحافظين للقصص والحكايات والأحداث، ليضيفوا على ما قدمنا، أو يؤشروا الى جوانب وسرديات لم نتطرق اليها حتى الآن.
وقد كنا قبل أشهر زرنا قرية جرف الدراويش، وكانت تلك القرية مفتاح لاستعادة قصة/ملحمة، تسمى عند أهل القرى والبادية بديوان الضيغم، وهي سلسلة قصص، وحكايات، ومعارك، وحكم، وأمثال، توارثها الأقدمون، وبقوا مخلصين للقصة، يسردونها في مجالسهم، وكانت التقاطتنا لها، آنذاك على لسان الراوية الشيخ ظاهر حمود البنيان الحجايا (أبو خالد)، حيث روى بعض تفاصيل تلك الملحمة، لكنه لم يسترسل في كل جوانبها.
والآن.. بعد أشهر على ذلك البوح، من جرف الدراويش، تصلنا رسالتان تفاعليتان، من رأو واحد مهتم بتوثيق تلك الملحمة، وهو الأستاذ سليم حداد(ابو مازن)، وربما تكون صيغة كتابته مؤثرة، تحذر، وتنبه الى ضرورة توثيق هذا التاريخ الشفوي، حيث يقول (أبو مازن)، في رسالته الأولى: «كنت كتبت لك قصيدة قالها عمير بن راشد (أحد شيوخ ديوان الضيغم)، فيها الكثير من المعاني والعتاب على ابن عمه (عرار بن الضيغم)، وهو كذلك أحد شيوخ الديوان، مفيدا فيها الذي حدث بينهما، وقد وصل بهم الأمر الى الملاقاة، والقتال، لولا أخويهما هلال أخ عرار، وعقيل أخ عمير، وكيف وقف هذان حائلا بين الجماعتين، وعدم السماح لهم بأن يقاتلوا بعضهم البعض.
والآن أقول (وهذا كلام أبو مازن)، بأن عمري يقارب الثمانين، ولم يهن علي أن يذهب هذا التاريخ الشفوي الذي أعرفه، أدراج الرياح، ومن الواجب علينا توثيقه، وكتابته».
رسالة.. وفنجان قهوة
لقد تركت هذه الدعوة كل الأثر في النفس، حيث أنها كانت نابعة من احساس مسؤول من قبل الأستاذ الفاضل سليم حداد، وقمت على إثرها بزيارته في بيته، لتوثيق ما يريد أن يبوح به، ولإضافته على ما تم تقديمه في سياق تلك القصة التي أشار اليها، وليكون هناك تقدير وتوثيق للتاريخ الشفوي المحفوظ في صدور كبارنا، حيث أبلغته بأن رسالته الأولى لم تصل الى بريد بوح القرى، ولذا فهي لم تهمل لأننا لم نطلع عليها، بسبب أنها لم تصل.
وكانت الخطوة الأولى، بعد شرب فنجان قهوة صباحي مع (أبو مازن)، بأن زودنا بتلك الرسالة الأولى التي تحتوي على بعض تفاصيل من ديوان الضيغم، وكان الاتفاق معه بعد هذه الرسالة أن يكتب ما يتذكره من ذلك التاريخ، ليتم نشره تباعا في صفحة بوح القرى، أملا بأن نستطيع توثيق هذا الديوان، والحكايات، والقصص، والأحداث التي دارت في تلك الفترة من التاريخ الماضي.
عرار.. وعمير
هنا نورد الرسالة الأولى للأستاذ سليم حداد (أبو مازن)، وفيها يقول:
«قرأت بتمعن ما جاء بصفحة بوح القرى، في جريدة الرأي، يوم 22/9/2009م، وقرأت الهامش المدون على يمين الصفحة، والذي هو عبارة عن دعوة للمشاركة، لمن أراد ذلك من أهل القرى، ومع أنني لست واحدا منه، فأنا من مدينة كفرنجه، تلك الرابضة على أحد سفوح جبال عجلون الشماء، إلا أنني أردت المشاركة، لتصحيح بعض ما جاء من أحداث في البوح الخاص بقرية جرف الدراويش، وفيه حديث حول هذه القصة المشهورة التي يتداولها الآباء والأجداد، والتي يطلق عليها اسم (ديوان الضيغم)، وقبل أن ابدأ لا بد لي من أن أقدم احترامي إلى السيد ظاهر حمود البنيان الحجايا أحد وجهاء قرية جرف الدراويش، الذي سرد القصة كما وردت وسواء كانت صحيحة أو لم تكن فكلانا أخذها من أفواه القاصين الرواة.
وتدور حوادث هذه القصة داخل عشيرة العمرو، وهي إحدى العشائر التي تقطن جنوب المملكة الأردنية الهاشمية، وشجرة الميس أظن أنها معروفة لدى البعض من أهل الكرك، مما يشير بأن، حوادثها وقعت في منطقة الكرك.
إن أبطال هذه القصة هما عرار ابن الضيغم، وعمير ابن راشد، وهما أولاد عم، ومن عشيرة العمرو، وكل منهم متزوج من أخت الثاني، وبسبب نزاعاتهم، وتنافسهم على الشيخة، انقسم هؤلاء إلى فرعين؛ فرع الضيغم، وفرع الراشد. وحدث ما حدث بينهم من نزاعات وحروب، فمن تنافسهم مثلا ومحاولة كل منهم الظهور على الثاني، هذه الحادثة التي تبين شدة التنافس بينهما والتي تتطلب من كل منهم إظهار مكونات القوة لديه، بما فيها من ذكاء وحنكة، وتتلخص بأن يكون أبناء العشيرة جالسين في بيت عرار، الذي يقترح بأن يقفز كل منهما عن حفرة واسعة عريضة حفرها عبيد عرار، بناء على طلبه، ويشترط عرار أن يعمل الذي لا يجوز الحفرة وليمة للعشيرة. وفعلا يبدأ عرار ويقفز متجاوزا الحفرة، أما عمير فلم يتمكن، ووقع في الحفرة، ويبادر فورا وينحر، ويعمل الوليمة لأبناء العشيرة، وبعد الانتهاء من الأكل، يطلب عمير من عبيده توسيع الحفرة نفسها، ويطلب من عرار أن يجوزها، فلم يتمكن، ويقع في الحفرة، أما عمير والذي عمل الوليمة، فإنه يقفز ويتجاوزها جيدا، مما حدا بعرار أن يسأله عن سبب عدم اجتياز الحفرة الأولى مع أنها أقل عرضا منها، فيجيبه عمير قائلا (إذا أنت جزت الحفرة، وأنا جزتها، فمن يغدّي العرب)، ويذهب ذلك القول مثلا دارجا إلى يومنا هذا: (الخيّر يقع بالحفرة)».
شجرة الميس
يكمل القصة أبو مازن قائلا: «ويصمت عرار حانقا في نفسه، وتتوالى المنافسة بينهما على هذه الشاكلة، وكلها حوادث ومواقف جديرة بالذكر لولا ضيق المجال، ومنها أيضا أنهم ذهبوا يوما لرحلة صيد، ويصطادوا (بقرة مهاه)، ويبادر عرار بتعليقها على غصن عالي من شجرة الميس (وليس الميز)، ويقترح عرار أن يقطع كل منهما بسيفه من الصيده، ويطعم جماعته، معتمدا على طول قامته، وقصر قامة عمير. مما جعل عمير يقفز بسيفه ويقطع غصن الشجرة من أساسه، فتسقط الصيدة، ويقطع منها ما يقطع ليطعم جماعته. وبعد أن ناموا حدث ما حدث كما روى السيد ظاهر البنيان».
وهنا للتذكير نعيد توثيق ما رواه ظاهر البنيان (أبو خالد)، في هذا الجانب من القصة، حيث قال: « غضب عرار كثيرا من فعل عمير، فأقدم على الانتقام من ابن عمه وذلك بأن رمى النار على جُبّة(فروة) عمير، وحرقها.. لم يسكت عمير على هذه الفعلة، فكان رده باستخدام النار أيضا، حيث أنه أراد أن يحرق شيئا عزيزا، وقريبا من ابن عمه الذي كانت توجد عنده فرس أصيلة يقال لها (أم عامر). قام عمير بوضع الجمر في (عليقة الفرس)، وألقمها لها،أثناء الليل وبن عمه نائم، وعندما كان الصباح، التقى الاثنان. قال عرار لعمير: (جُبْتَك محروقة يا ابن العم). رد عليه عمير: (شوف(أم عامر)،كيف تضحك على الجُبّة). ويقصد هنا أنها من أثر الحرق الذي أصاب فمها بانت أسنانها وكأنها تضحك».
هلال.. وعقيل
وهنا تنتهي رواية ظاهر البنيان، ونعود الى سليم حداد (أبو مازن)، حيث يكمل في رسالته: «ويحكى أن عرار وجماعته غضبوا مما حلّ بالفرس أم عامر، وهذه الفرس (أم عامر) هي أم الحصان مشهور الذي له حكاية مرتبطة بباقي أحداث تلك السيرة ، حيث ركبوا خيولهم، وهجموا على جماعة عمير، وتنتهي رحلة الصيد هذه بمعركة بين الطرفين، إلا أن أخوين لهما وهما (هلال وعقيل) وقفا وسط الجمع، وصاح احدهما بالثاني (امنع الزلم عن بعضهم، لن جنّوا شيوخنا حنّا ما ننجن)، ويفصلوا بين الفريقين، إلا أن الأمور على أثرها تتوتر، ويتفرقوا عن بعضهم، ويصبحوا فرعين بعيدين عن بعضهم في المسكن والرحيل والترحال.
ويقول عمير على أثر رحلة الصيد هذه القصيدة الرائعة التي يؤكد فيها ما حدث ويمتدح أخويهما هلال وعقيل، لأنهما منعا الفريقين من أن يقتتلا:
قنصنا قنيص يوم الخميس صدنا من الوحوش بقرة مهاة
أول عمانا قلّة هدانا تعليق غدانا بغصن الغضاة
ساوينا حيله ما هي نفيله طلعت علينا من الخاسرات
طلق عرار من سيفه طلق عرار من الماضيات
قال اكلوا يقصار بظف الطوال عادات اهلنا قص الطايلات
جاها عمير بسيف شطير قطع ارشاها ديّا الحاملات
قال اكلوا يطوال بظف القصار عادات اهلنا قص الطايلات
بعيني المشهور لولا الهجار كان المشهور مع الطايرات
عيا عليهم هلال وعقيل عيا عليهم ارياد البنات
يا ريت شهوان لا كان خلّف يا ريت شهوان عقبه بنات
خلف عرار عكبده مرار خلّى الرفاقا يروحوا شتات
يا شجرة الميس ريتك تبيس لا بلك الله بقطر النداة
عمنك ملمه لولد عمي عمنك ملمه للصافنات
وأكتفي بهذا القدر، فالديوان طويل، وقصائده كثيرة، وهذا غيض من فيض».

دعوة للمشاركة

alqora@jpf.com.jo

هذه صفحة تؤسس لكتابة متكاملة حول القرى الأردنية، وتطمح لتأسيس موسوعة جادة شاملة. ولن يتأتى هذا بجهد من طرف واحد، فما يكتب قد يحتاج إلى معلومات للاكتمال، أو قصص أخرى لم يلتقطها الكاتب في زيارة واحدة، وهي مفتوحة للإضافة والتعديل قبل أن ترتسم بشكلها النهائي لتكون وثيقة لكل قرية، والأمل بأن تأتي أية إضافات أو تصويبات أو معلومات أخرى من أهل القرى والمهتمين مع اقتراحاتهم، وعلى العنوان: بوح القرى - الرأي

ص.ب- 6710-عمان-1118-فاكس 5600814
بريد الكتروني alqora@jpf.com.jo



تعليقات